دراســة : أمداء خريف للشاعرة بشرى بدر ... قصائدها جغرافيا من الروح واللهفة

العدد: 
15821
التاريخ: 
الأربعاء, 5 أيلول 2018

بين يديَّ ديوان الشاعرة «بشرى بدر» وعنوانه «أمداء خريف» تمتد قصائده على بياضٍ مُحيَّرٍ بالتأملات ، والحزن الشفيف، والفرح المشوب بحذر المرأة التي تتلفّت حولها وحواليها ، يحيطها رعب الطقوس والعادات، لكنها تنتصر على هذه المطبات بقوة الإرادة، والشعور بالاطمئنان تعيش حياتها كما تريد ، هكذا ربت ضناها ..،وهكذا هي تربت..،شاعرة واثقة بأن المرأة هي أم المجتمع، والمدرسة،والدرب الموصل إلى الحياة،وهي المعبرة عن وجودها كشاعرة،وكمربية،ومدرسة للأدب العربي في ثانويات مدينتها «سلمية» لكن لاتنسى مطلقاً مسقط رأسها «القدموس حيث الولادة، هاهي تقول في قصيدة عنوانها «إليكِ ياقدموس»:

إليك إليك ياقدموس،
يامن كنت لي جذري،
بغيرك قد..فنى زهري
وكنت الرحم .. لو شاءت
رياحك دفق أوردتي.. ص 106
تتناوب مقاطع بعض القصائد حالات من التصوف، وومضات من التنهدات، وفضاء من الابتهالات،كأنها بهذا تقترب من المتصوفات المعروفات في التاريخ ، كرابعة العدوية،وميمونة .. وغيرهما ،لكنها تعود إلى رشدها ،وترفض أن تكون هي الطرف الأضعف في معادلة غير عادلة مابين الذكورة والأنوثة،وهاهي توجه شبه خطاب شعري إلى المرأة الأنثى تقول في قصيدة «غزو الخريف»:
مجبورة أن تكبري،
محسوبة كلماتك،
معدودةٌ أنفاسكِ،
مرسومة خطواتك..
إياك أن تتذمري   ص60
مواضيع مجموعتها الشعرية «أمداء خريف» تتماهى في عشق الأرض والإنسان،والمواقف الاستشهادية، وحب الشهادة،وبعض القصائد تذهب مذهب الحالات الوعظية،والملامح التربوية .. ومع كل هذا وذاك يبقى الوطن هاجسها ومبتغاها، حيث قرأنا ماذا كتبت عن «القدموس» التي ترعرعت طفلة بين روابيها الجميلة وينابيعها الدفاقة، فكانت القصيدة الأشهى والأجمل في هذه المجموعة وهذا رأيي كقارئى متابع، لإبداعاتها الشعرية.
تقول:
إلى جبلٍ ، إلى سهلٍ، إلى قممٍ ووديانٍ..،
لغيمٍ عينه انهمرت ،»وطيونٍ» بكل مكان
إلى نبعٍ .. يعرفني نمير الماء من «حسان»
أذوق الصفو .. بـ « الريس «وأسكرُمن ندى «البلان»    ص108
جغرافيا من الروح واللهفة تتزيا ، وتتبرج بها قصائدها، حيث تقول إن القصيدة التي لا أرض لها ولا انتماء هي قصيدة ولادتها ولادة غير شرعية ، وأنا أرفض أن تكون قصائدي تحت عناوين»التبني ، والمستورد « بعيدة عن أرصفة اللقطاء.. ، قصيدتي تولد وتشب وتكبر،وتتباهى بأن لها هوية وأرضاً وانتماء..
والمجموعة كتبت قصائدها على النمطين الشكليين نمط شعر القافية»الفراهيدية» والشعر التفعيلي.، هاهي تقول في قصيدة «إلى روح الشهيد عماد مغنية»:
«فخر المنايا أن تطال جسومنا،
عار الخيانة شيمة.. لجبان
رضوان ، رضوان الإله ورحمته
إن صار وعدك جنة الرضوان» ص 125
شاعرة أعطت الشهادة والشهيد ما عندها في قصيدة شعر، وهاهي في قصيدة عنوانها «تحية فمصافحة ،فلقاء وعناق» تقول:
من أجل عينيك اللتين تغلغلا،
في داخلي عشقاً تألق،وانجلى
سحراً وإبداعاً لأطياف الجمال
ولأجل حبك ضرج الوجه انتشاء،
عندما .. قلت الـ/هلا/ « ص 56
يليق للشاعرة أن تقول الغزل، وتتقن لغة الكلام به، وتتجلى بأبعاده الممزوجة بالقيم والاعتدال بالمواقف، وعدم اللجوء إلى المهاترات، والمواعيد الصبيانية، الموصلة إلى النهايات الواخمة.
 تحاول الشاعرة «بشرى بدر» ان تعيش أشعارها،فهي نبض الحياة التي تحياها، كما قالت لي ..، وقصيدتها تصحو وتنام على صحوة وارتقاء،تجربتها في أشعارها واضحة لكل قارىء ومتذوق ، ومتابع للشعر.
وتألقت في كثير من أمسياتها الشعرية ،تتميز بإلقائها الهادىء، والمعبر،بعيداً عن التكلف والصراخ كما نراه ونلمسه عند بعض الشاعرات من بنات جيلها ،وقد يكون للتربية البيتية الأثر الكبير لديها،وهذا مالمحناه بين تجاعيد ،ومقاطع قصائدها،اتزان،وذوق جمالي،ينم عن معرفة اجتماعية وحياتية،و كيف يكون الكلام المباح عند جهجهة نور الصباح،فهذا ماقرأناه عن شهرزاد وشهريار، لكن عند شاعرتنا»بشرى» فالكلام عن مجموعتها يأخذ مجرى آخر، حيث لا هروب ،ولاعقوق،أو تخطي للقيم والطقوس التربوية.
هكذا شاءت،أن تخطط لحياتها وحياة أبنائها العيش ضمن مفاهيم مدروسة وبوعي حضاري،لا ..انفلات ولا شذوذ،كل هذا يدخل في بوابة الأبوة البطريركية،كل من في الأسرة يصغي ويطيع عن قناعة وطيب خاطر بعيداً عن عوامل التهديد والتخويف،وتشبيك الشفاه عن الحوار، وإبداء الآراء،حيث التفاهم سيد المواقف.
المجموعة: أمداء خريف (شعر).
المؤلفة: بشرى بدر
الناشر: دار بعل 2010
لوحة الغلاف للفنان: قصي عيزوقي
 

الفئة: 
المصدر: 
خضر عكاري