بمناسبة ندوة منتدى الفداء الثقافي حول المسرح بُعيد رحيل محمد شيخ الزور (1944- 2011) (1ـ2) وصل صقر قريش ياماغوط!

العدد: 
15824
التاريخ: 
الاثنين, 10 أيلول 2018

غادر دنيانا الفانية فنان مسرحي من طراز خاص، ومثقف وإنسان موسوعي الروح والحضور، هو محمد شيخ الزور ، في يوم الثلاثاء الواقع في العشرين من شهر كانون الأول من عام 2011.
انتهى كل شيء بسرعة، كما يحدث في استقبال حالات الموت عادة، ألمت بقلبه أزمة حادة، فأسرع ولده وعدد من محبيه في مسرح الشارقة الذي يعمل فيه منذ سنوات، بنقله إلى المشفى، غير أن القلب المتعب، استسلم في فضاء الأسرة البيضاء لحنين الراحة الأبدية، فنظر محمد بعينيه المعروفتين بقدرتهما على بث أشعة الحب والود والتراحم، إلى لهفة الولد والأصدقاء، مصغياً إلى أدعيتهم، ورحل.
تابع ولده ما تقتضيه الحال، ووقف يستقبل المعزين الكثيرين في صالة مسرح الشارقة، بعد أن اتصل بإخوته في ربوع العاصي، يعلمهم بكل ما حدث ... المسرحي الذي ترافق اسمه مع عدد كبير من الأعمال المسرحية المهمة، مخرجا وممثلاً وإدارياً، يرحل في السابعة والستين، ساحباً بساطاً قشيباً من أمجاد النجاح الفني والوجداني، على الرغم من عنت الدهر معانداً خطاه، وقسوة الأيام مثقلة أحمال منكبيه... هتف لي واحد من أولاد رفيقه في الفرقة المسرحية، صديقنا المشترك عبد الكريم الصالح الذي سبقه برحيله قبل أعوام، وأخبرني بلهجة شاب يعرف قسوة الخبر الذي ينقله، متوقعا أثره في نفسي، ومن الراجح أن ذلك ضاعف من حجم هذا الأثر في نفسي التي خبرت معاني الخذلان والفقد بالموت وغيره من قبل خبرة واسعة، وصار عليها أن تبدو هادئة رزينة، في استقبالها الأخبار المتعلقة بدوائر الفقد والخذلان والألم...
كان ذلك المساء من مساءات كانون بارداً وكئيباً، والشوارع شبه خالية إلا من عويل ريح مبهمة المعاني، اصطحبت صديقاً يهمه أمري وأمر المناسبة، واجتزنا ساحة العاصي إلى الصالة المحددة لتقبل التعازي، وها أنذا أحاط بمجموعة من الشبان، معظمهم من أولاد فنانين أصدقاء تابعت أعمالهم المسرحية بشوق موصول طوال نحو خمسة وثلاثين عاماً، محمد شيخ الزور وعبد الكريم الصالح ومختار كعيد، وقد رحلوا تباعا... كنت أقف مع أولادهم، (صاروا كباراً حقاً)، مشاركا في استقبال معزين، ما يلبث معظمهم أن ينضم إلى صف المشاركة في الاستقبال، ففي مقام وداع محمد شيخ الزور يدرك الجميع مواقعهم الحميمة من الحدث..
في غمرة الوقوف والجلوس، استمر شريط الصور يتدفق إلى ساحات النفس، فتبتسم الشفتان تارة، وتغالب العينان دموعهما تارة أخرى، وسط صالة تحتضن صفوف الألفة، متناسية برودة الشوارع الخالية، وعويل ريحها الكئيب.
كان محمد في الثانية عشرة من عمره، في عام 1956، عندما شارك ممثلاً في مسرحية قدمها الاتحاد الكشفي، لتبدأ رحلته مع الفن المسرحي، الذي جمعه بأساتذة وزملاء وطلاب يصعب حصر عددهم، ومن أساتذة نشأته ظل اسما المسرحيين المهمين فؤاد سليم (الحمصي المقيم في حماة)، و عبد المجيد مغمومة، يحتلان مكانة أثيرة لدى قلبه في أحاديث العمر.
كان إخراجه مسرحية «حفلة سمر من أجل /5/ حزيران» من تأليف «سعد الله ونوس» في عام /1971/، محطة مهمة في مسيرة علاقته بالمسرح، وقد قام فيها واحد من زملائي في مرحلة الدراسة الثانوية بدور ثانوي، اسمه مرهف عصاية غدا من أقرب الأصدقاء إلى روحي، وزاده منها قربا رحيله المبكر في عام 1995. كانت شخصية مرهف قادرة على تحويل دوره المسرحي الثانوي ذاك، إلى حدث مهم في حياته وحيوات أقرانه، ظل يمنح عرض تلك المسرحية ومخرجها قيمة تاريخية ووجدانية عالية في مخيلتي، تلك المسرحية التي حاز بها شيخ الزور جائزة أفضل عرض مسرحي في مهرجان الهواة الأول لوزارة الثقافة في دمشق.
في نهار شتائي من عام 1976، تحلق عدد من الشبان ـ كنت واحدا منهم- حول الفنان محمد شيخ الزور، يصغون باهتمام إلى قراءته الممتعة لنص مسرحية «المهرج» التي كتبها الأديب الكبير محمد الماغوط (1934- 2006). جمعتنا غرفة صغيرة في بناء قديم، يقع في منتصف شارع جمال عبد الناصر، وهو الشارع المنحدر من كلية الطب البيطري إلى مركز المدينة.
سرعان ما وجدتني بحماستي الأدبية والاجتماعية اللافتة، مندمجا بحياة الفرقة المسرحية، فسافرت مع أعضائها (الذين راحت صداقتي معهم تتعزز يوما بعد يوم، ولاسيما يوسف نعمة، وحسن شيخ الزور، وكاميليا بطرس، ونرجس حزوري، وماجد أبيض، وياسر الأسعد، والراحلين محمود الحمود، وعبد الكريم الصالح، ومختار كعيد، وغيرهم)، إلى مدينة حمص في باص عتيق، اتسعت رحابته لجميع المسافرين وما حملوه من أمتعة الديكور المناسب لعرض «المهرج» في مسرح جميل يقع خلف المتحف الوطني .. في جلسات الحوار التي انتقلت بالضيوف ومضيفيهم إلى متنزه ديك الجن على الضفة اليمنى للعاصي، تفتحت بذور صداقاتي الحمصية الجديدة التي ستؤثر في مسار مستقبلي اللاحق .. شكل الحوار حول تدخل المخرج شيخ الزور معداً لنص الماغوط، محوراً مهماً للكلام، فهذا التدخل وصل ذروة صراحته، برفع عدد من الممثلين في نهاية العرض، يافطة قماشية كبيرة كتب عليها: «وصل صقر قريش يا ماغوط استمر ذلك الحوار يوقظ أسئلته الجوهرية إيقاظا متنوع الدلالات في الحوار مع أولئك المهتمين بالعلاقة بين النصوص الأدبية وإخراجها فنيا، ومنهم هيثم يحيى الخواجة، ومحمد بري العواني، وفرحان بلبل، وسمر روحي الفيصل الذين منحوا تلك الأسئلة في مؤلفاتهم مساحة لائقة، ماتزال تجدد أثوابها القشيبة في محطات صداقاتنا تجديداً لائقاً، يحتفي بتجربة محمد شيخ الزور المسرحية، احتفاء يوحي لكل منا بأنها مكون ثقافي ذو أثر وجداني من مكونات علاقاتنا الشخصية.
راحت جلسات القراءة تتكرر، معمقة مسار علاقتنا بالفن المسرحي، لتتوج في كل مرحلة بعرض مسرحي يصبح جزءاً من مكونات أيامنا وأعمارنا، وقد جاء عرض الفرقة مسرحية «الصراط» في أواخر السبعينيات عطافة مهمة في ذلك المسار، فقد حضر العرض مؤلف النص الكاتب المعروف وليد إخلاصي، الذي جاء من حلب لهذه الغاية، وأثرى برؤاه الثقافية العميقة ما يرافق العروض عادة من حوارات. كان نصه معنيا بوظيفة الفنان في الحياة، ومعبراً عن تشبثه بجمرة المثل والقيم، وسط العواصف النفسية والاجتماعية العاتية، وسرعان ما سرى إشعاع شخصية «عبد ربه» المسرحية في نفوس المشاركين في العرض والمقربين منهم مسرى العهود والمواثيق، مما قوى إيمان كل منهم برسالة الفن في الحياة، وعزز ألق علاقات الزمالة والصداقة في قلوبهم.
في أثناء التدريبات على عرض مسرحية «الصراط» خرج الفنان محمد شيخ الزور الذي قام بدور الشخصية الرئيسة عن خطوط الحوار المكتوب، مرتجلا عبارات جديدة راقت لصديقه الخصيص يوسف نعمة الذي أخرج المسرحية، وشارك في تمثيلها، فتجاوب معه، ليشكلا موقفا يضاف إلى النص، فاتحين أبواب المناقشات اللاحقة للمزيد من الحوار حول العلاقة بين النصوص المسرحية وتقنيات إعدادها وإخراجها، ذلك الحوار الذي أخذ من قبل مع عرض «المهرج» تشعبات لن تخفت أصواتها السنوات المتلاحقة بتجاربها الجديدة .. كان حضور كاتب النص وليد إخلاصي يثير غير قليل من القلق في النفوس، من خشية ألا ترضيه التغيرات الطارئة على نصه بالإعداد والإخراج، غير أن كلماته ظلّتْ ترنّ في حوارات سامعيه على مدارج السنوات بأمثولات عميقة الدلالات، وهو يقول بصوته الحلبي الدافئ: «لو أنني اطلعت على هذا الإعداد قبل طباعة النص ونشره لأخذت ذلك بعين الاعتبار»، هو الذي ربطته بمحمد شيخ الزور ورفاقه مودة المعرفة والصداقة منذ سنوات، وجاء في تلك الأيام يجر خلف منكبيه سنوات طويلة من المجد الأدبي الباذخ، بعد مؤلفاته المسرحية والقصصية والروائية المتلاحقة منذ عام 1963، وقد بوأته مكانة خاصة في المشهد الثقافي السوري والعربي، ومن الراجح أن ما تشع به روحه وشخصيته من ألق إنساني مميز، أثّر في خصوصية تلك المكانة.
 

 

الفئة: 
الكاتب: 
د.راتب سكر