بمناسبة ندوة منتدى الفداء الثقافي حول المسرح بُعيد رحيل محمد شيخ الزور (2ـ2) كان يحمل الأثاث من منزله ليكمل ديكور المسرحية

العدد: 
15825
التاريخ: 
الأربعاء, 12 أيلول 2018

عني محمد شيخ الزور ويوسف نعمة الذي أخرج مسرحية «الصراط»، بتجربة المسرح داخل المسرح في إخراجها وعرضها عناية خاصة، ووظفاها توظيفا فنياً متألقاً، هما اللذان خبرا في أعمالهما السابقة، ولا سيما «المهرج»، قدرة هذه التجربة على منح العروض المسرحية طاقات تعبيرية ذات دلالات إيحائية واسعة وعميقة.
جاء تقديم الفرقة مسرحية «عريس لبنت السلطان» للكاتب المصري اللامع محفوظ عبد الرحمن، حدثاً مهماً في تاريخها، إذ استفاد محمد شيخ الزور في إخراجها من ثراء قصص الحب النامية على بساط موضوعها التاريخي المرتبط بغزو المغول، والترجح بين مقاومتهم ومداهنتهم، ومن بنائها الفني المنكشف على «سبل الحداثة في العرض المسرحي، عبر اللجوء إلى لعبة الدمج بين الصالة والمنصة» ، تلك السبل التي برزت في أعمال الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو Pirandello، (1867- 1936)، وشاعت في المسرح العربي المعاصر. ولعله من المناسب في هذا المقام ذكر اللمسات الفنية لنرجس حزوري في تصميم الملابس التاريخية بما يضفي على مشاهد العرض بعداً لونياً تشكيلياً ذا دلالات تعبيرية مهمة متناغمة مع مكونات العرض الأخرى، وهذا الجانب من عطاء الفنانة نرجس حزوري يتكامل مع عطائها التمثيلي الذي بلغ شأواً مميزاً في أدائها دور أم ملك غرناطة المهزوم، آخر ملوك العرب في الأندلس، أبي عبدالله الصغير (ت940هج\ 1533م) في مسرحية «كشف الضو عن معنى لو»، التي أخرجها شيخ الزور في عام 2007.
ارتبطت تجربة محمد شيخ الزور الفنية باختيار نصوص مسرحية لكبار الكتاب العرب، حافظ في إعدادها وإخراجها على لغتها العربية الفصيحة، مما وفّر لمتابعي تلك التجربة فرصة الاطلاع على باقة مميزة من النصوص المسرحية في الأدب العربي المعاصر. لم تخل هذه التجربة من اعتمادها في مرات محدودة على نصوص محلية، من الراجح أن أهمها مسرحية «مدرسة العدالة» من تأليف الفنان يوسف نعمة وإخراجه، وقد عني موضوعها بالواقع المعيش للمعلمين، عناية قاسية في سخريتها السوداء، مما أرخى ظلالا مرّة على مناقشة عروضها التي نفذت في أواخر السبعينيات، بتعاون شخصي مع محمود كسرى حداد الذي كان نقيب المعلمين تربطه مودة وصداقة بنعمة وشيخ الزور، ويتميز بعلاقاته الحميمة مع أوساط الأدباء والمثقفين.
على مدارج السنوات الطويلة، راحت أسماء من جيل جديد مثل ماهر صليبي، وكمال الديري وغياث السحار، وطلال الصالح، وغالب الحارس وغيرهم، ترفد بطاقاتها الفنية الفرقة المسرحية، التي تعاونت في مراحل مختلفة مع الفرق المسرحية الأخرى في أعمال ناجحة، من أبرزها التعاون مع الفنان الراحل سمير الحكيم الذي أسهم طوال سنوات في انطلاقة مهرجان حماة المسرحي وتكريسه ظاهرة ثقافية سورية وعربية.
عندما كان محمد شيخ الزور في بدايات طريق المسرح، حمل بعض الأثاث من منزل العائلة، ليكمل ديكور مسرحية يشارك فيها، فأنبه أهله على ذلك، وقد شعرت في سنوات مرافقتي له أنه استمر يكرر فعلته تلك بصور مختلفة، من دون أن يؤنبه أحد.
في عام /1992/ غادر «شيخ الزور» مدينة حماة إلى الإمارات العربية المتحدة، ليعمل فنياً في مسرح الشارقة الوطني، الذي احتضنه حتى رحيله، نحو عشرين عاماً لم تنقطع فيها صلاته بربوع العاصي، اجتماعياً وفنياً، وفي الإمارات قدم أعمالاً مسرحية وفنية متنوعة، فسجل لتلفاز دبي في عام 1997 اثنتين وخمسين حلقة من برنامج الباقة للأطفال، متضمناً تمثيليات مؤسسة على عبر ومثل ومضامين تربوية كالشجاعة والمروءة والمحبة وغيرها، ولوحات فنية تعبيرية بأداء الأطفال تؤكد هذه المضامين وتظهرها، وقد أعدت تلك اللوحات بحركات فنية معبرة غادة عطالله التي تعاونت مع محمد شيخ الزور طوال سنوات سابقة في تصميم وتدريب الحركات التعبيرية لعدد من مسرحيات الأطفال الغنائية (الأوبريت)، من أهمها «أحلام البستان»، و»القنديل المسحور» من تأليف الشاعر عبد الرحمن نعيمي.
تحتاج مرحلة نشاطه الفني في الإمارات إلى وقفة مطولة خاصة، عززت اسمه فناناً ذا رسالة نابضة بالقيم والمثل، كما يحتاج تتبع كل الأعمال المسرحية التي أخرجها أو شارك في تمثيلها منذ بداية علاقته المبكرة بالفن المسرحي في عام 1956 إلى وقفة مماثلة، يبرز في عناوينها إخراجه لمسرحيات: «محاكمة رجل مجهول» لعز الدين دياب، و«الفتى مهران» لعبد الرحمن الشرقاوي، و«باب الفتوح» لمحمود دياب، وغيرها من أعمال عززت إيصال نماذج من نصوص الأدب العربي الطليعية والمهمة إلى الناس، بلبوس الفنون القشيب المزدان بألق الروح.
في مجال السينما شارك «شيخ الزور» بأدوار متنوعة في عدد من الأفلام السينمائية، من أبرزها مشاركته ممثلا ومساعد مخرج، في فيلم «الطحالب» الذي أخرجه الفنان ريمون بطرس، الذي اكتشف بذكائه الفني المؤسس على أهمية تضافر الجهود الفردية في نجاح العمل السينمائي، أهمية محمد شيخ الزور في تعزيز لمسات روح بيئة حماة وعاصيها في عمل سينمائي تتأسس رؤيته إلى الوجود والعالم بصلصال تلك البيئة وأنين نواعيرها، ذلك الأنين الذي تداخل مع صوت شيخ الزور في أدائه دوره تداخلاً عميق الغور في مرجعياته النفسية، التي حملتها كاميرا التصوير في تنقلها بين ضفة النهر ودورة الناعورة المثقلة بالماء والأنين، إلى فضاء فني وإنساني رحب، سيظل محتاجا إلى وقفات حوار متجدد مع الدلالات التعبيرية لأمكنته، وابنيها البارين ريمون بطرس ومحمد شيخ الزور.
إنها تجربة فنان وإنسان من طراز خاص جديرة بالتأمل الطويل، اختار البقاء في محافظته بعيداً عن العاصمة، ليشتغل على فن صعب، يحتاج ارتقاء سلمه الطويل إلى تقانات وعلاقات لا توفرها عادة غير المدن الكبرى والعواصم، وظل أميناً لفكرة مسرح جاد مؤسس على منجز الأدب العربي الطليعي وأعلامه، غير آبه لغضب غاضب، أو لخسارة مكاسب مادية عجلى، فهمّه كبير، وهمّته عالية، وبهما أسس مشروعه في الفن والحياة، وبهذا المشروع ربطت حيزاً مهماً من حياتي الشخصية، كما فعل كثيرون من الذين عايشوه وعملوا معه.
لقد رحل محمد شيخ الزور تاركاً في نفوسنا الكثير مما تلهج بمباهجه، على الرغم من قسوة الأيام وعنت الدهر، تلك القسوة التي واجهها طويلاً بحنان شخصيته الفائق، وابتسامته الرضية، وحبه لأصدقائه والعاملين معه، هو الذي سمّى ولده ذات يوم «مختار» تيمنا باسم رفيق دربه مختار كعيد، ونظر بعين الفرح وهو يرى ولديه يصاهران رفيقي دربه مختار كعيد وعبد الكريم الصالح.
أبا عبدو وداعاً، شكراً لك كل ما فعلت لإبقائك هذه الجذوة من الصداقة والحب والوفاء، وهذه الجذوة من الأدب والفن والثقافة، دافئة المواعيد في نفوسنا!!....

 

 

 

الفئة: