على ضفاف العاصي : لمن يكتب الشاعر والأديب

قبل زمن ليس بالبعيد ألقيت محاضرة عن أحد شعرائنا المعاصرين، فقرأت شعره قراءة نقدية راصداً رؤاه الشعرية، ومحلّلاً قدراته الفنية، والسمات التي يتحلّى بها، ثم فُتح باب النقاش -كالعادة- في نهاية المحاضرة، ودار حوار ومداخلات، وتم توجيه بعض الأسئلة، ومنها:
أين صدى مايدور في سورية من أحداث مؤلمة في شعر هذا الشاعر؟
ولماذا لم يبين موقفه مما يجري في وطننا الحبيب؟
والحقيقة أنني شعرت بحرج كبير من هذا السؤال الذي يدل على وعي السائل برسالة الشعر والأدب، ومايجب أن يتناوله الشاعر أو الأديب في شعره وأدبه كي يكون شاعراً حقيقياً، وأديباً ذا رسالة في الحياة، وموقفاً يجعله يحظى بتقدير قُرّائه وسامعيه.. وأجبت السائل بأن الشاعر أو الأديب لابد أن يكون ذا موقف واضح مما يجري في وطنه، ومايصيب شعبه من أوجاع وآلام، ومايتعرض له الإنسان من ظلم وقهر.. والأديب أو الشاعر الذي يُصِمُّ أذنيه، ويغمض عينيه عن النار المشتعلة حوله دون أن يبين موقفه، يفتقد المنزلة الرفيعة وتقدير الآخرين، واللون الرمادي الذي لبسه بعض الأدباء والشعراء، والصمت الذي بدا منهم حيال ماأصاب سورية في مؤامرة (الربيع العربي)، نزع عنهم صفة الشجاعة، وأخرجهم من دائرة الشاعر الحقيقي، والأديب الحقيقي الذي يرى الشعر والأدب موقفاً ورسالة.. ويدرك أن الكلمة أقوى من الرصاصة، لأن تأثيرها يصل إلى الملايين.. في حين أن الرصاصة لاتؤثر إلا في شخص واحد...
والمستعمر الفرنسي- إبان عهد الاحتلال- أدرك هذه الحقيقة، فسجن الكثير من الشعراء والكتّاب الأحرار لنشيد كتبوه، أو مقال نشروه، أو خطبة خطبوها في حب الوطن، والدعوة للكفاح وطرد المستعمر.. وهذا ماحصل أيضاً في عهد الاحتلال العثماني البغيض الذي علّق الأحرار من شعراء وأدباء وخطباء ومناضلين على أعواد المشانق...و...و..
إن الشاعر أو الأديب الحقيقي، هو الذي يؤمن بأن الأدب رسالة، ورسالته تقتضي منه أن يكون معلّماً، و مُنوّراً، ومُحرّضاً، ومُبشّراً، وثائراً على كل مايؤدي إلى ظلم الإنسان وقهره، والعبث بأمن الوطن وسلامته. وعليه أن يسمو على الجراح، وأن يكون بلسماً للمعذبين، ومناضلاً من أجل إنسانية الإنسان التي فقدها الكثيرون هذه الأيام. يقول الأديب غسان كنفاني: (الإنسان في نهاية المطاف قضية.. ولكن يالها من قضية!!!). ويقول الروائي العالمي التقدمي الكبير (كازانتزاكي): «ربما كانت الكتابة لعباً في عصور أخرى أيام التوازن والانسجام، لكنها اليوم مهمة جسيمة، لم يعد الغرض منها  تسلية العقول.. بل الغرض منها تحريض الإنسان على بذل قصارى جهوده لتجاوز الوحش الكامن في أعماقه».

 

الكاتب: 
د. موفق السراج
العدد: 
15830