الفنانون أولاً ...

 لفتة كريمة.. تلك التي أقدمت عليها اللجنة المشرفة على إحدى الفعاليات الثقافية الكبرى, حين دعت من كل محافظة عدداً من أدبائها, لحضور حفل الافتتاح الرسمي لتلك الفعالية, والذي تم في دار الأسد للثقافة بدمشق. 
 وإنها لسابقة تُذكر لتلك اللجنة, فهي تحمل بين طياتها اهتماماً واحتراماً  للشرائح الأدبية في هذا القطر، لقد مر زمن طويل والأدباء مهمّشون في أمثال هذه المهرجانات والمؤتمرات, على الرغم من أن بعضها ذو علاقة مباشرة معهم, وبخاصة تلك الاحتفالات ذات الصلة بأجناس أدبية معينة، كلغة الطفل, أو تربيته, أو ثقافة الأمة وسبل دعمها ودفعها قدماً نحو مستقبل أفضل. 
ـ وعلى الرغم من هذه الخطوة  الجريئة والمفاجئة, إلا أن برنامج حفل الافتتاح كان معاكساً للآمال التي عقدها الأدباء, فبعد انتهاء الكلمات الرسمية التي ألقيت في هذه المناسبة الثقافية, تحوّل الحفل  إلى برنامج فني, لايحتضن غير فقرات فنية وموسيقية, تقدمها نجوم تنتمي  إلى الوسط الفني فقط، فهناك الأوركسترا العالمية التي عزفت ألحاناً  أغلبها ينتمي إلى الموسيقا الأجنبية, وهناك المقاطع الغنائية التي قام بأدائها عدد من المطربين والمطربات, وهناك المشاهد التمثيلية واللوحات الفنية المعبرة التي قدمها عدد من الفنانين المعروفين, والتي تتحدث عن دمشق الفيحاء, وغوطتها الخضراء, ونهرها الحالم, ومنازلها القديمة المتوّجة بعرائش  الياسمين!. 
 حتى تقديم الحفل كان من نصيب الفنانين, فعريفة الحفل هي إحدى الفنانات المعروفات, والتي لم تقدم فقط الفقرات الفنية, بل قامت أيضاً بتقديم الكلمات الرسمية ذات العلاقة المباشرة بالسياسة والثقافة والمواضيع الجادة!.. 
 لم نَرَ أديباً يلقي مقطوعة نثرية تتغزل  بما ينبغي التغزل به, ولم نسمعْ شاعراً يطربنا بأبيات تبرز محاسن تلك المناسبة, ولم نصغِ لمفكر يفتح أمامنا أبواب المدينة الخالدة ويسجل لنا مآثر آثارها!!..على الرغم من أن المفترض أن تكون الساحة مفروشة لهؤلاء!. 
  ـ وكالعادة.. انشغل أدباؤنا بإحصاء الأخطاء اللغوية التي جرت على ألسنة زملائنا الفنانين, وبخاصة عندما كانوا يرددون أشعاراً ليس لها من الشعر إلا اسمه, أو ينشدون أبياتاً مكسورة تحتاج إلى تقويم وتجبير, أو يلحنون في كلمة, أو يخطئون في لفظة, أو يتعثرون في مصطلح, أو يخلطون بين العامية والفصحى, أو يستخدمون تعبيراً  في غير موضعه.. واستمر  أدباؤنا يتندّرون إلى درجة المبالغة, وفي جو من المرح, هبط عليهم فجأة!!. 
  وقد التفتُّ إلى بعض الزملاء, وأنا أقول مازحاً: من أجل هذا لا  تُدْعَون إلى مثل هذه الاحتفالات!.. اصمتوا, قبل أن يعضّوا أصابعهم ندماً, ويأسفوا للساعة التي فكروا فيها بإرسال بطاقات الدعوة إليكم!!!. 
 ـ ترى هل يتصور الكتّاب عموماً, بأنهم هم أصحاب الارتباط الأقوى بكل  مايتعلق بشؤون الثقافة؟ وهل يتخيلون بأن مناسبة كمثل هذه المناسبة يجب أن تكون أشد التحاماً  بالأوساط الأدبية والفكرية!.. وبالمقابل, هل يمكن للشرائح الأخرى أن تلجأ إلى الإيثار, ولا تستأثر بمثل هذه المناسبات المتألقة, ولا تكون هي فقط صاحبة الخطوة والمبادرة, ولايكون القرار الأول والأخير بيدها من دون غيرها!!؟. 

الكاتب: 
د. موفق أبو طوق
العدد: 
15834