ما هكذا بل هكذا!

 يعبر الإنسان ـ خلال حياته ـ جسوراً عديدة, ويتجاوز مراحل كثيرة قاطعاً أزمان الطفولة, واصلاً إلى فترة الشيخوخة، متسللاً بين عهود الصبا, والفتوة, والشباب, والكهولة, والـ... إلى أن يقضي الله أمراً كان محتوماً!
 ويتعرض المرء في مسيرته الحياتية، أو على الأصح, تعترضه وقائع وأحداث, ومواقف وأفراح, ومشكلات وأتراح, و.. مفاجآت شديدة التناقض بينها مايسعد سعداً, وفيها مايتعس تعساً, فيجني العقلاء من تجاربهم الحكمة الرشيدة، ويحصد –غير العقلاء- الخيبة المريرة عندما لايتعظون من الأخطاء والعثرات  سواء كانت لهم, أم وقع فيها غيرهم, فالعاقل من يتّعظ ـ حتى ـ بأخطاء الآخرين!
 أيضاً, أنتم تعرفون  ـ بلا أدنى شك - أن القدماء في ماضيهم العتيق, والمعاصرين في الزمن الحاضر, هؤلاء  وأولئك صاغوا ـ بطريقة ما, وأسلوب ما ـ خلاصة التجارب الإنسانية وسكبوها في مقولات شعراً ونثراً, وبأعمال فنية رسماً ونحتاً, وبأمثال شعبية طالت لغات أهل الأرض الذين يعيشون فوق الكرة الأرضية . 
 فيما يأتيكم, أو يصل إلى مسامعكم, أو يقع تحت وأمام أبصاركم  تستسيغون ماشاءت  لكم الاستساغة فتقبضون عليه لتداوله بين ربعكم ومن تلتقون وتأنسون إليهم, وتقفون متمعنين حائرين, مرتبكين واجمين لدى سماع, أورؤية مايدعو إلى التّمعن والحيرة والارتباك والوجوم!
 للمثال, لا أكثر, ولا أقل: 
 تقف  عند بيت من الشعر أورده واحد من الفحول في سالف العصر والزمان, وهو زهير بن أبي سلمى  يقول فيه: 
 سئمت تكاليف الحياة ومن يعش        
                    ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم
 لقد سئم  زهير ضغوط حياته وإرهاصاتها, وأتعابها وتكاليفها بعد أن طال به العمر.. تُرى ماذا كان سيقول في عصرنا الحالي, وماهي الفترة الزمنية التي سيحدّدها, والكافية لتجعله يسأم تكاليف الحياة الراهنة؟!
 لم يكن  زهير مستأجِراً لخيمة, ولم يقلق عندما يحين آخر الشهر لدفع الأجرة ..!
 ولم يرتبك لدفع فواتير الكهرباء, والماء, والدواء, والاتصالات السلكية, واللاسلكية!
 ولم يأبه لمستلزمات دراسة الأبناء في المراحل الدراسية الدنيا, والعليا.!
 ولم ينحشر في واسطة نقل عامة فيشبع هزّاً وخضّاً ثم يرجع محطّم الخطوات, مُمَزّق الجلّابيات.!
 ولم يُلْق بالاً للحصول على الغذاء اليومي, ولم يكترث بتأمين الكساء الموسميّ.!
 ولم يدرك حجم الأضرار ـ الكبيرة ـ التي تسببها محالج قطنية مزروعة وسط تجمعات سكانية  مكتظة  السكان!
 أخيراً.. لو أن ابن أبي سلمى يعيش  في هذا العصر, كان يجب أن يقول: 
 سئمت تكاليف, ومصاريف الحياة.. ومن يعش  ثلاثين حولاً لا أبا لك  يسأم .. ويتكهرب بكهرباء لاتعرف الوصول إلى قوة /220/ فولت .!

الكاتب: 
غزوان سعيد
العدد: 
15843