قصّة من كوريا .. قصّــــة حــــبّ ! !

العدد: 
15845
التاريخ: 
الأربعاء, 10 تشرين الأول 2018

في صيف عام مضى ...
كانت مجلّة ( انكاونتر ) وهي مجلّة تصدر في لندن قد عقدت بالاشتراك مع هيئة اليونيسكو مسابقة ! !  
وهذه المسابقة كانت لأحسن قصّة مترجمة إلى اللغة الإنكليزية من آداب دول آسية وأفريقية ! !
وحين ظهرت نتيجة هذه المسابقة كانت هناك مفاجأة ! ! بل مفاجأة كبرى إذ لم تفز قصّة عربية واحدة ! !
والحقيقة أنّ معظم كتابنا من الشباب العرب ( كباراً أو شباباً  يافعين ) من الذين تقدّموا إلى هذه المسابقة بقصصهم العربية قد أصيبوا بخيبة أمل ، وبخاصة حين عرفوا أنّ القصّة التي حصلت على الجائزة كانت قصّة من كوريا ( ! ! ! ) .
والذي يعرفه النقاد العالميون أنّ الأدب الكوري ما زال بعيداً عن أيدي القارئين والمطالعين والدارسين المهتمين بسبب من ضعف الترجمة ، وقلّة ما يصل إلى القراء والناس من نصوص وأعمال إبداعية ، ولكن ذلك كله لم يكن مهمّاً على الإطلاق ، فقد فازت قصّة من كوريا ( ! ! ! ) .
ولكنْ ! .
ما شأن هذه القصّة الفائزة ؟
كانت القصّة محلّية جداّ !!!
كانت القصّة تحكي ما كان من حبّ بسيط متواضع بين فتى وفتاة في شهر الربيع وقد أشرقت فيه الأزهار ، وتضوّع عبيرها في الأرجاء ، حتى أعطت الحياة سحراً ودفئاً وجمالاً أسراً شفيفاً ، بل ومدّت للمشاعر دروباً ، وفرشت للأحاسيس العلوية أهداباً ..إنه الحبّ. ولا شيء غير الحبّ ( !!!).
لقد فازت هذه القصّة البسيطة المتواضعة لأنها أثارت الإحساس الإنساني المرهف ، وحركت كوامن النفس بمواقفها العادية البريئة الصافية التي تنبع من الواقع الحيّ المشهود ! ! .
أمّا تلك القصص الأخرى ( الشرقية والعربية ) قصصنا ، فهي لم تكن تعني المجلّة المذكورة في شيء ! ! ! .
لماذا ؟ !
ــ ربما لأنها لم تثر في النقاد ذلك الحس الإنساني المرهف الرقيق ؟ !!
أو بمعنى آخر إنّ تلك القصص لم ترصد خصائص الواقع ، واقعنا الذي نحياه . بل ولم ترتبط ــ على الأعمّ الأغلب ــ بجذور حياتنا .  
( والحديث هنا عن القصص التي شاركت وأسهمت في هذه المسابقة )
ولكنْ ...
ــ اليوم انتبه كتابنا إلى رصد الحياة وتصوير الواقع ..فأبدعوا وتفوقوا ( ! )  
ــ لكن القصص المشاركة في تلك المسابقة لم تقل للنقاد شيئاً . أعني قصصنا العربية آنذاك ( ! ! ! ) .
إنّ القصّة ــ بعامة ــ إن لم تعرض عالماً مخالفاً لعوالم الآخرين فهي تقليد وتزييف ! ! .
ونحن ــ أمة العرب ــ لنا أنواع من السلوك ، أنواع من الشخصيات ، أنواع من المشكلات ، ما ليس عند الغربيين ! !
ــ بمعنى آخر : حين نجيد فهم أنفسنا ، ونجيد تصوير سليقتنا ، ونجيد ابراز عبقريتنا الخاصة ، وروحنا المتميّزة ، نكون بذلك قد قدّمنا ما يرفد ذخيرة الآداب الإنسانية الشاملة ! ...
وعلى حدّ تعبير الدكتور محمد النويهي :
ــ إنّ الأدب العالمي لم يكن إلا عصارة الآداب المحلّية ، الآداب الجيّدة والصادقة ، وكلما ازدادت هذه الآداب تعدّداً وتنوعاً وتميزاً ازداد المحصول الإنساني العام غنىً وإخصاباً ...
وبعامة .. يمكن القول :
ــ إن القاص الذي لا يخضع لأشكال الفّن الغربي وتجارب الحرفية أو
( التكنيكية ) كما يقولون ، يحقّق بذلك وجوده وعروبته بل وهويته القومية الإبداعية ! !
ــ ولكنْ ــ ألم يعجب النقاد الغربيون بألف ليلة وليلة ؟
ــ نعم .. ولم يكن إعجابهم ذاك إلا لأنّ ألف ليلة وليلة تقّدم لهم طرازاً من المجتمع ، والعادات والتقاليد والغرائب ، وكل ما لم يألفوه في مجتمعهم الغربي ( !! ) .
وبعامة أيضاً .. يمكن القول : إن الكاتب ــ الفنان العربي الأصيل ، المبدع المتألق الذي يريد أن يخدم أمته ، هو من يضع قلبه عليها ، يعرف ما يعتمل في صدرها فيرسم أحاسيسها ، ويرصد مواهبها ، ويدقّق في عبقريتها ! !
ومن حق الكاتب المبدع ــ الفنان أن يتناول ما شاء من تجارب ، وأن يتّخذ ما يفضل من قوالب ، ولكن بشرط أن يكتب عن الناس ، الذين يحيا معهم ، أن يكتب عن أهله ، وأصحابه ، ومن يلوذ به .. ولا بدّ ــ من أن يكون أدبنا أدباً معاصراً بل وعالمياً ! ! .
والمعاصرة ليست جرياً وراء الرموز والأزياء ...
المعاصرة ليست ركضاً وراء الصرعات الزائفة .
المعاصرة ليست تزييفاً وادّعاء ومراوغة ..
المعاصرة هي فهم الواقع وفهم الإنسان الذي هو من لحم ودم .
المعاصرة هي معرفة الأصالة العربية والتراث الخالد والوصول إلى العالمية بذلك لن يكون سهلاً .. ولكننّا ــ مع هذا وذاك نملك كل شيء ! ! .
 

 

 

الفئة: 
الكاتب: 
نزار نجار