في رحاب ذكرى الكرامة

 في مثل هذه الأيام من عام 1973  كانت فرحتي لاتوصف  لأنني حصلت على الشهادة الثانوية, وتهيأت للسفر إلى حلب كي أسجل في الجامعة, فإذا الإذاعات  تنقل خبر اندلاع  حرب تشرين التحريرية بين سورية ومصر  من جهة, والعدو الصهيوني من جهة ثانية, فازددت فرحاً على فرح, وأحسست بغبطة كبيرة, وسعادة عظيمة حين رأيت غطرسة الصهاينة  تتحطم  في سمائنا وأراضينا, فطائراتهم تتهاوى كصناديق من ورق, وجنودهم يفرون مذعورين من الجولان حتى بحيرة طبرية, وفي الجانب الآخر من الجبهة المصرية, تمكَّن الاشقاء الأبطال من تحطيم خط بارليف  الحصين, بعد أن اجتازوا قناة السويس على الجسور المتحركة, والقوارب المطاطية..
 لقد كان لهذه الحرب التي قادها القائد الخالد  حافظ الأسد أهمية كبرى لأنها الحرب العربية الأولى التي ينتصر فيها العرب على الصهاينة, ويحطمون  أسطورة الجيش الذي لايقهر, ويثأرون للكرامة العربية منذ النكبة الفلسطينية  عام 1948.
 وأما التضامن العربي أيام الحرب فقد تجلى في أروع صوره.. فالجيشان العربيان السوري والمصري يشنان الحرب في لحظة واحدة, والأشقاء العرب  المتطوعون كان لهم حضور على الجبهتين, فامتزجت دماء الشهداء في تلك الحرب المقدسة.. وهل منا من يعلم بأن الجسور التي نصبت فوق قناة السويس، وعبر عليها الجيش المصري  إلى الضفة الأخرى من القناة كان قد تم صنعها وتجهيزها  بأحد المواقع العسكرية  داخل سورية بمشاركة سورية ـ مصرية ؟ كما بدا التضامن العربي  في شعور الشعب, وموقف الحكام, فالحرب دائرة، وهي على أشدها والعرب يتطلعون إلى جبهتي القتال, متلهفين لسماع خبر الانتصار, ودحر  الصهاينة.. وقد قطعوا النفط عن أوربا والولايات المتحدة الشريك الأكبر الذي يدعم الصهاينة بالمال والسلاح, ويساندهم في المحافل الدولية.
  ونحن إذ نعيش ذكرى الكرامة نقول: ما أجمل أن يعود  التضامن العربي كما كان في حرب تشرين, لأن في التضامن القوة, وفي التشرذم الضعف والهوان.. والعالم لاينظر بعين التقدير للضعفاء.. وقد برهنت هذه الحرب أن السلام لا يمكن أن يتحقق لهؤلاء أبداً، بل هو ينتزع انتزاعاً بقوة صاحب الحق السليب ... وأما الضعفاء فإنهم يستنجدون أعدائهم من أجل استرداد حقوقهم المغتصبة، ولكنهم لا يحصلون إلا على الوعود الكاذبة أو المساومات أو الفُتات في أحسن الأحوال.  

 

الكاتب: 
د. موفق السراج
العدد: 
15845