أسميتها سلام

العدد: 
15846
التاريخ: 
الخميس, 11 تشرين الأول 2018

تزامنت صرختها الأولى مع سقوط قذيفة في الجوار .. لتعلن عن قدومها إلى الحياة رغم أنف الموت.
كانت جميلة .. طفلة بلون القمر .. بعينين سوداوين كبيرتين .. ووجنتين حمراوين.. احتضنتها بين ذراعي ورحت أتأمل ملامحها البريئة .. أصابت قلبي حينما قبضت على إصبعي بيدها كلها وارتسمت على وجهها ابتسامة ملائكية .. كانت لحظة باذخة السلام .. أتت ابتسامتها هذه  مشرعة في وجه الحرب ..
 لذا أسميتها «سلام».
كانت سلامي تكبر بين الحصار والنيران بين القذائف والرصاصات الطائشة.
كانت طفلتي تنام على هدهدة الانفجارات .. وتصحو على إنذار النزول إلى الملاجئ.
لكنها رغم كل هذا كانت مفعمة بالحياة .. لطالما أمدتني بالقوة لمجابهة كل هذا الموت الذي أحاط بنا حتى بلغ غباره الحناجر.
كان للواقع المرير حضوره البهي في أيامنا حيث رحت أؤرِّخ تفاصيل حياتها الصغيرة بتواريخ الحرب.
لقد بدأت ابنتي تمشي يوم موت ابن جيراننا قتلاً .. ونطقت أولى كلماتها يوم تهدّم مستوصف الحي قصفاً.
أما عن بدء اعتمادها على نفسها في تناول الطعام .. فكان في يوم هجرة عمّها وعائلته عن البلاد خوفاً.
نعم .. فقد كنا نحيا جمال التفاصيل رغم بشاعة الواقع.
كبرت ابنتي وبلغت من العمر سبع سنوات عجاف..  وحان الوقت لتلتحق بأنقاض مدرسة على قارعة الطريق.
ودعتها في الصباح، وكانت المرة الأولى التي تكون فيها بعيدة عني .. لا أدري لم باتت أصوات الانفجارات مدوية أكثر .. لم ألحظ يوما هذا الكم من الدخان الذي خنق اليوم أفكاري ..
لربما هو الرعب الذي جعل حواسي في حالة استنفار وتأهب.
بدأت ابنتي مشوار الألف ميل في دربها القاسي.
لكنها كانت سعيدة .. لم أدر كيف لم تطفئ الحرب التماع عينيها..
لم تكن سلام تسير بخطوات عادية .. كانت تبدأ مشوار الألف ميل قفزاً .. رغم أنها مثقلة بالأحلام
لطالما أصرت على أنها ستصبح طبيبة لتداوي محمود ابن جيراننا الذي حرم العلاج بسبب صعوبة الوصول إلى المستشفى.
إضافة إلى أنها ستكون مهندسة وتعيد ترميم جدار حديقتنا المهدم ..
ستكون معلمة أيضاً .. وتفتح الكثير من المدارس الملونة على حدِّ قولها
ستكون وتكون ... لم تعمر ابنتي سقفاً لأحلامها.
أما أنا .. فقد راحت عقارب الساعات الخمس تلاحق قلبي .. لتتركه مرهقا حدَّ اللهاث.
طرق الباب .. هربت من بين مخالب الوقت والأفكار ورحت أركض بكل ما أوتيت من لهفة .. احتضنتها حضن المئة عام التي مرت في ساعات غيابها الخمس
لكن ابنتي ابعدتني عنها وقد حملت نظراتها إشارات استفهام أثقلت رأسها الصغير.
أبعدتني وهي تسأل بإلحاح «أمي..ماذا يعني اسمي»
لربما كانت هذه المرة الأولى التي أقف أمامها عاجزة .. لا ألوي على جواب ينقذني من نظراتها المعاتبة على إخفائي عنها هذا السر العظيم
رحت أبحث عن إجابة .. لكن أنى لي أن أجدها .. وهي التي كبرت على أصوات الحرب!.
هي التي لم تعرف عطراً سوى رائحة البارود وهي من هي .. هي ابنة مدينة الياسمين !.
ماذا سأقول بعد أن اعتادت على مشهد الوداع في كل مرة يغادر فيها أحدنا المنزل .. حيث أنه لربما لن يعود!
كيف.. وهي التي أصبحت تفهم بأسعار الصرف وهبوط العملة وصعودها .. قبل أن تتعلم جدول الضرب!
كيف وهي التي كانت لعبتها السباق مع أبناء الحي في جمع فوارغ الطلقات
هي التي كانت أشد لحظاتها سعادة أن يعطونا ساعة إضافية من الكهرباء لتشاهد برنامجها المفضل
كيف سأخبرها وهي التي لم تشاهد يوما مدينة ألعاب .. سوى ذاك المنجنيق في أول الحي و الذي صنع أصلا من حطام دبابة!..
كيف ! وهي التي قضت نصف سنواتها العجاف في مجالس العزاء .. حتى اعتادت مرار القهوة وسوادها!..
لا مفر .. كانت تحاصرني بعينيها اللامعتين الغاضبتين .. اللتين راحتا تبحثان عن إجابة على شفتي المطبقتين عجزاً.
أمسكت كفيها الصغيرتين.. قلت لها بصوت مرتجف خنق بعبراته:
السلام ياابنتي هو هذه البسمة التي تنزل على قلبي الطمأنينة كلما رسمتها على وجهك.
السلام هو ضحكتك التي لطالما طغت على صوت الحرب.
السلام هو أن تفوحي بعبير الياسمين رغم رائحة البارود والموت.
السلام هو أن يقف دعاؤنا في وجه فوهة المدفع.
السلام ياصغيرتي .. هو كل مالم يحدث في بلادنا.
لربما ماعاد يعنينا السلام في يومه العالمي في زمن تقف فيه الدنيا مكتوفة الأيدي أمام دموع الثكالى والأرامل والأيتام.
لربما فقد السلام أهميته أمام انكسار ذاك الأب وهو عائد إلى منزله صفر اليدين لم يستطع أن يؤمن لأطفاله الجياع رغيف خبز .
ولكن الحروب مهما طالت ستحط يوماً أوزارها .. فإن كان للحرب جولة فللسلم جولتان .. لنحلم ونحيا!.
فالسلام هو أن نحيا لأجل أحلامنا.. لا أن تكون جل أحلامنا أن نحيا.

 

الفئة: 
الكاتب: 
سلام الاحدب منتدى الشباب الأدبي