حَكي جَرايد !.

ألجمت البحّة أصواتنا, وأكلت الأقلام من أصابعنا, ونبت الشعر الغزير على ألسنتنا.. فالإصرار المتعمد على الخطأ, هو الأمر الساري, والعرف السائد, والتقليد المتّبع !. لم يعد للكلام لون ولا طعم ولا رائحة, كيف لا .. والآذان مسدودة, والعيون مغمضة, والألسنة معطّلة, وكلُ يغني على ليلاه .. أما إجابات أولي الأمر وتعقيباتهم, على ما يُكتَب عن دوائرهم ومؤسساتهم في الصحف والمجلات, فهي من نوع (جبر الخواطر) و(إسقاط العتب) لا أكثر ولا أقل!. هي (دواء مسكّن) يخفي الآلام إلى حين, لتعود بعد زوال تأثيره إلى ما هو أشد و(ألْعَن) و(أدقّ رقبة) !.
 والزملاء الصحفيون, في حيرة من أمرهم, فما زالت معاناتهم تتزايد يوماً بعد يوم, ومازال إحباطهم يتفاقم سنة إثر سنة!. فلماذا يكتبون؟ ولمن يكتبون؟ وعمّن يكتبون؟ وكيف يكتبون؟!! ابتدعوا أساليب جديدة في الكتابة, واخترعوا مصطلحات عديدة ضاقت بها قواميس اللغة, واقتبسوا من أدباء الشرق والغرب ما يعّزز كلمتهم ويزيدها وزناً وتأثيراً.. طعّموا مقالاتهم بالطرفة المضحكة حيناً, بالسخرية اللاذعة حيناً, بالتودّد المحبّب حيناً , بالهجوم الكاسح حيناً.. ولكن لا فائدة, فهم يضربون في حديد بارد, وينفخون في قربة مثقوبة, وينادون عبثاً إذ لا حياة لمن تنادي!!.
    والمشكلة أن بعض المسؤولين قد أحجموا عن القراءة, وابتعدوا عن المتابعة, وانتقلوا من شريحة (المثقفين) الذين يتابعون ما يدور حولهم في هذا العالم, إلى شريحة (غير المثقفين) الذين لا يهمهم خبر ولا نبأ ولا حدث ولا حادثة.. أجل, هكذا فعل هؤلاء, فالباب الذي يجيء منه الريح, أَغْلِقْه لتستريح, وما يُنشَر من نقد هنا وهناك, موجع للرأس ومنغص لراحة البال, وهو أولاً وأخيراً (فشّة خلق), و(زودة لسان), و(حكي جرايد) له أول وليس له آخر!.
    ما سرّ (القط ) الذي أكل ألسنة هؤلاء, وما حكاية (الغشاوة) التي حجبت الرؤية عن عيونهم, وما أبعاد (الموقف) الذي اتخذه  أصحاب الشأن, وأهل المقامات العليا!!.
    أجل.. فكم هناك من الأمور الحساسة التي ترد في الصحف ,وكم هناك من القضايا الملحة التي تحتاج إلى حل سريع, وكم هناك من المشكلات العالقة التي تستدعي التدخل المباشر, وكم هناك من الطروحات الهامّة التي تستوجب الاحتواء والمتابعة الفعلية.. ولكن مع الأسف الشديد, بقيت حبراً على ورق, وسؤالاً من غير جواب, ومداخلة من دون أي تعليق!! .
ترى .. ماذا جرى لتلك القرارات الرسمية, التي تؤكد ضرورة إخضاع مسيرة الدوائر الرسمية للرقابة الشعبية, وضرورة الإجابة عن أي سؤال أو استفسار صحفي يتعلق بتلك المسيرة, وضرورة الإسراع في حل أية مشكلة ترد في وسائل الإعلام حلاً جذرياً وواقعياً.. هل وضعت هذه القرارات على الرفّ, أم أن بعضهم قد أخفاها تحت سابع أرض؟!!.

 

الكاتب: 
د. موفق أبو طوق
العدد: 
15846