توليع الأجواء بين الطب والغناء !

 الشعور الأوحد الوحيد, والإحساس المشترك الفريد, يخامر جميع الآباء, مداعباً مخيلتهم, عابراً أحلامهم, تقتنصه  قلّة قليلة مجتهدة ومحظوظة, وتخفق الغالبية العظمى في اقتناصه لأنه يتبخر أمام,  أو تحت وطأة ظروف وأحوال عسيرة الفهم, والشرح, والتفسير.!
 الشعور والإحاسس المذكوران يتلخصان في حُلم, ويُختزلان في أمنية  متعلّقة بدراسة الأبناء والتحصيل العلمي العالي عسى ولعل يصبحون أو يُمسون أطباء.. وهيهات, هيهات الوصول إلى باب كلية الطب فمثل هذا الطموح يتطلب ـ كما يقولون ـ هزّ الأكتاف, ورجّ العقول ـ وخضّ الجيوب, فأين الحالمون, الواهمون من هذه التشابكات  العويصة؟ 
 مابالنا لانتزحزح ـ ولو قليلاً ـ بشكل مبدئيّ عن الحلم الورديّ العريض والأمنية الزنبقية ذات الدرب العسير والمنال الصعب؟ 
 مابالنا لانفكر ـ ونحلم ـ باتجاهات أخرى تتلاءم مع القدرات, وتنسجم مع المقدّرات, وتتواءم مع الإمكانات, وتتوافق مع الظروف والاستطاعات؟  ثم.. هل خَلت الحياة من دروب واتجاهات, وأهداف وتطلعات, وفُرص ـ إن رافقتها حظوظ باسمة ـ  تستطيع أن تصل بالإنسان إلى مراتب الشهرة, ومصافّ الأغنياء.؟ 
 ماذا يضير, وما المانع لو اتجه الأبناء ـ مثلاً ـ إلى ميادين الغناء الرحبة، الواسعة التي لاتحتاج سوى لحفظ بعض الكلام ـ أي كلام ـ ورفع العقيرة إلى درجة الصياح, ومَسْحة من (الكاريزما) مع إتقان بعض الحركات المهيّجة للحضور وملابس لاتحتاج كثيراً من القماش بالنسبة للعنصر الأنثوي؟!
 إن الغناء عمل فني ذو مردودات مادية ومعنوية في الحالات المتوسطة من غير تطلّع  لأن يكون عالمياً واسع الشهرة مثل : (فرانك سيناترا) أو (شارل أزنافور) ـأو (ديميس  روسوس)  أو محمد عبد الوهاب.. والمغنيات لايطمحن ـ على كثرتهنّ ـ لأن يكنّ أمثال (ديانا روس) أو (أديث بيان) أو (لارا فابيان) أو أم كلثوم, وفيروز, ونجاة الصغيرة!
 والغناء العظيم الرواج في هذا العصر لايحتاج (كدراسة الطبّ) إلى المكوث سنوات وسنوات على مقاعد الدراسة وفي قاعات التشريح وغرف المشافي.. كلا, لايستلزم هذه المعاناة الطويلة المديدة  الحافلة بالمشقات والإرهاصات. وجُلّ, وأكثر مايتطلّبه الغناء هو توافر النيّة، والمباشرة بتدريبات على الصّدح والرّدح, والبعيق والنّعيق انطلاقاً من الحمّام المنزلي, ثم إلى حفلات الأعراس وما شابهها, ومنها إلى خشبات المسارح و(الفيديو كليبات). !
 ولايسألنّ سائل عن الأمثلة, ولايطلبنّ أحد البراهين فهي تأتي من عند أغنية نانسي عجرم التي تصرح فيها: 
 بدنا نولع الجو.. والجو يولّعنا.!
 أعمال حرق واحتراق, إشعال واشتعال ـ مع الغنج والدّلال، والهزّ والانفعال، ثم الشهرة والمال. !
  أخيراً, لقد حصد  هذا الفيديو كليب أكثر من أربعة ملايين مشاهدة بعد عشرة أيام من طرحه, فأي طبيب يستطيع معالجة ألف مريض في أيام عشرة.؟!

 

الكاتب: 
غزوان سعيد
العدد: 
15852