مشكلة بيئية وغذائية وأخلاقية مزروعات بطعم الصرف الصحي ... مزارعون يكسرون قساطل الصرف ... البلدية: قلةتستخدمها والمحروقات السبب

العدد: 
15860
التاريخ: 
الأربعاء, 31 تشرين الأول 2018

لماذا يسقي بعضهم أشجاره ومزروعاته بمياه الصرف الصحي، سؤال تبادر إلى أذهاننا كثيراً وطويلاً، ورغم معرفة الكثيرين منهم بالأضرار الصحية البيئية التي تسببها هذه السقاية إلا أن بعضهم يصر عليها، وهناك قرى عدة في منطقة مصياف تعتمد في سقايتها على مياه الصرف الصحي ومنها قرية ربعو من هذه القرى التي يرى الكثير من المواطنين بأن مزروعاتها لا تؤكل والسبب هو المياه التي تسقى منها هذه المزروعات، فما هي الأسباب الموجبة، وكيف يمكن لشخص يعرف أن مياهه ليست نظيفة أن يأكل من ثمار منتوجاته.
آراء عدة سمعناها من الأهالي  والمزارعين يقول بعضهم: إن الجفاف وقلة توافر المياه وتدهور نوعية المياه العذبة المتوافرة بسبب التخلص غير السليم من مياه الصرف الصحي، هي السبب بينما يرد بعضهم الآخر الأسباب الى عدم وجود مصادر مياه بديلة، ووفرة مياه الصرف الصحي... وبذلك يتم اعتماده كمورد للري. بينما يعد بعضهم الآخر من المزارعين ان مياه الصرف الصحي تحتوي على المواد الغذائية اللازمة التي تساعد على زيادة نسبة المحاصيل ويمكن ان تشكل البديل من الأسمدة الكيميائية! فما مدى صحة هذه الأقاويل والاعتقادات؟ وما هي الآثار الحقيقية لاستخدام مياه الصرف في الري على الزراعة وسلامة التربة والمياه الجوفية وسلامة المحاصيل والغذاء والمزارعين والصحة العامة والبيئة.
وما هي البدائل الممكنة وغير المكلفة بالنسبة الى المزارع؟ وما الذي يمــكن ان يفعله المستــهلك لحـماية نفسه من إمكانية تلوث المنتجات الزراعية للتخفيف من أضرارها وآثارها السلبية على صحته... بانتـظار ان يتم معالجة هذه المسألة من جذورها عبر مكافحة تلوث المياه الزراعية مـن مصادرها (الصرف الصحي والصناعات والمبيدات) وعبر اعتماد أبسط الأساليب للمعالجة.
لمعرفة مخاطر استخدام مياه الصرف الصحي في ري المزروعات يجب معرفة ما هي مكونات مياه الصرف وما هي الصفات الفيزيائية والكيميائية لمياه الصرف الصحي في تحديد الآثار الصحية والبيئية.
تحتوي مياه الصرف الصحي على ماء بنسبة 9ر99%، إضافة إلى كميات صغيرة من المواد العائمة والذائبة العضوية وغير العضوية. أما الملوثات التي تشكل الخطر الأكبر والمسببة للأمراض فهي الفيروسات (الفيروسات المعوية، والبكتيريا الإشريكية القولونية السالمونيلا الشيغيلة، الكوليرا، والديدان والطفيليات وغيرها) والتي تكون بنسب مرتفعة ومختلفة في مياه الصرف غير المعالجة. بالإضافة إلى ذلك يمكن لهذه الميكروبات البقاء على قيد الحياة في التربة أو على أسطح المحاصيل لفترات طويلة من الوقت إلى أن تنتقل بعد ذلك للإنسان أو الحيوان.
أما مسببات الأمراض الأكثر مقاومة للظروف البيئية فهي الديدان وبيض الديدان التي يمكنها أن تبقى على قيد الحياة لسنوات في التربة. حياة هذه الديدان مرتبطة بعوامل عدة كحالة الطقس فإن درجة الحرارة المنخفضة تساهم في إطالة بقاء العوامل المسببة للأمراض على قيد الحياة، وهي بالتالي تسبب الخطر الأكبر على صحة الإنسان لأن مدة بقائها أطول مقارنة بالبكتيريا والفيروسات.
المكونات الرئيسية لمياه الصرف (بحسب منظمة الصحة العالمية، 2006):
ـ المواد غير العضوية (الرمل، والرماد والزجاج والحصى وغيرها).
ـ  المواد العضوية (الكربوهيدرات، والزيوت والدهون والصابون مواد التنظيف المنزلية، والبروتينات).
ـ المواد العضوية السامة (المبيدات، وبقايا الأدوية).
ـ  الأملاح (الصوديوم، والكلوريد).
ـ المواد غير العضوية السامة مثل المعادن الثقيلة (الزرنيخ، الكادميوم، الكروم، النحاس، الرصاص، الزئبق، الزنك وغيرها).
ـ  المواد الغذائية (النيتروجين، الفوسفور، البوتاسيوم).
يقول الاختصاصي بالأمراض الداخلية الدكتور رامي الأحمد: تحتوي مياه الصرف الصحي على العديد من الجراثيم والمعادن الثقيلة والمركبات العضوية المسببة للأمراض المعوية بسبب انتقالها إلى المحاصيل المروية. وهي تشكل خطراً صحياً على المزارعين أولاً، ومن ثم على مستهلكي المحاصيل المروية... وعلى الناس الذين على مقربة من هذه الحقول.
تعتمد هذه المخاطر الصحية على عوامل عدة أولا: مدة بقاء الجراثيم المسببة للأمراض في الماء أو التربة ثانياً: الجرعة المحددة لهذه الجراثيم والمواد الكيميائية القادرة على التأثير على الناس وثالثاً: مدى مناعة الإنسان ضد هذه الجراثيم.
في العام 1989، شكلت زيادة الوعي جراء المخاوف من انتشار الأمراض، الدافع الأساسي وراء منظمة الصحة العالمية لوضع مبادئ توجيهية صارمة ومعايير لمكونات مياه الصرف المستخدمة في الري.
بالإضافة إلى التلوث الميكروبيولوجي، الموجود في مياه الصرف الصحي هناك المواد الكيميائية العضوية مثل المبيدات والمعادن الثقيلة كالرصاص والكادميوم تهدد الصحة العامة لأنها يمكن أن تتراكم في التربة والمحاصيل والمياه الجوفية.
قد لا تترك تركيزات المواد الكيميائية في المنتجات آثاراً مباشرة على الصحة على المدى القصير، ولكنها تترك آثاراً خطرة على المدى البعيد وتتسبب بأمراض صحية مزمنة مثل السرطان (الثدي والبروستات) كما قد تؤثر على النشاط الهرموني والغدد، وإضعاف جهاز المناعة وأمراض في الجهاز العصبي.
من جراء استخدام مياه الصرف الصحي تتعرض التربة الزراعية للتلوث الميكروبي، كما تتسرب الملوثات من التربة إلى المياه الجوفية المستخدمة للشرب بسبب نقل هذه الجراثيم مع المياه إلى الطبقات الجوفية. وتتراكم هذه المركزات في التربة وينتقل قسم منها الى النباتات والمحاصيل المروية فتفقد بالتالي مواصفات السلامة الصحية.
أما المشكلة الأخطر التي تتعرض لها التربة من جراء تشبعها بمياه الصرف، فهي الملوحة أو (التملح)، التي تؤدي إلى تآكل التربة والحد من الأوكسجين، وبالتالي يتوقف نمو النباتات.
وكلما زاد استخدام مياه الصرف في ري المزروعات تتراكم الأيونات السامة (مثل كلوريد الصوديوم، والبورون ... بالإضافة إلى المعادن الثقيلة) في الأوراق، وتختلف نسبة ضررها حسب حساسية هذه النباتات وبالتالي سيشكل ذلك انخفاضاً في معدل المحاصيل الزراعية وفي نوعيتها.
كما تتسبب مياه الصرف الصحي في تلويث المياه الجوفية والآبار الارتوازية من النترات، التي تتحول عند وجودها داخل جسم الإنسان مع بعض أنواع البكتيريا، إلى مواد أخرى مسببة لأمراض سرطانية وبالأخص سرطان المعدة.
بالإضافة الى ذلك، فإن فائض النتروجين والفوسفور في مياه الصرف الصحي يؤدي إلى تلويث المياه السطحية ويمكن أن يسبب ارتفاع نسبة المغذيات في المياه الذي يؤدي إلى خلق الظروف البيئية المناسبة لنمو (البكتيريا الزرقاء) والطحالب المنتجة للسموم. وبالتالي يسبب ذلك (التهابات في المعدة والأمعاء وتلف الكبد وضعف الجهاز العصبي وتهيجاً في الجلد).
ولدى اتصالنا ببلدية ربعو للسؤال عن الموضوع أجابنا رئيس البلدية: أن نسبة قليلة من المزروعات تروى بمياه الصرف الصحي لأن معظم الأهالي قد قاموا بحفر آبار ارتوازية لسقاية مزروعاتهم، ولكن وكما نعرف فإن قلة المحروقات قد حرمت الكثير منهم من إمكانية السقاية. ومع هذا فإننا نقوم بدوريات دائمة ويخالف كل من يضبط وهو يسقي من مياه الصرف الصحي.
وكنا قد علمنا أن بعض المزارعين يقومون بكسر قساطل الصرف الصحي التي تمر بالقرية من أجل السقاية.
لا بد أن يكون هناك حل جذري بهذه المشكلة التي تتعلق بالصحة العامة لنا كمواطنين، فغذاؤنا أمانة في أعناق المزارعين ولهم وحدهم نوجه نداءنا بعد أن عجزت الجهات المعنية في الأمر عن حل الموضوع، والحق يقال إنها غير قادرة في ظل الظروف الحالية لحله، ويبقى الضمير وحده المراقب والمحاسب.

 

المصدر: 
حماة ـ ازدهار صقور