مدحة عكاش شاغل ومنشغل بمشروع يليق به

العدد: 
15863
التاريخ: 
الاثنين, 5 تشرين الثاني 2018

إنَّ الكتابة عن قامة أدبية إعلامية بحجم أديبنا المرحوم مدحة عكّاش بهذه العجالة وهذا الحيّز ليس بالهيّن , ولكن الذي يمكنني قوله هنا وبكل بساطة إن صاحب ومؤسس مجلّة  وصحيفة ثقافية امتدت لعقود عديدة واستقطبت ما استقطبته من أسماء ورموز أدبية هامة , لدرجة أنها خلقت حالة ترقب جميلة بين صفوف الكتاب والمثقفين , عشرات الأقلام المتمرسة بالفعل الإبداعي , ومئات الأقلام الناشئة على مساحة الوطن العربي ترقبت بشوق وتابعت ونشرت واحتفت , فكانت محطة حياتية إبداعية هامة لديهم ...نعم يمكنني القول إن صاحب هذا المشروع الإبداعي الضخم امتلك كل مقومات النهوض به والاستمرار , منطلقاً من إيمانه بقدسية هذه الرسالة وضرورتها , متكئاً على قلب وعقل شاطراه قلقه وأسئلته الوطنية الكبرى, مشروع اشتغل عليه وله  فنذر كل ما يملك من بياضٍ جميل ومن طاقات إبداعية ومادية وعلاقات اجتماعية للمضي به إلى سدّة الإبداع .
منذ عام 1958 وشاعرنا المرحوم يحمل عبء المجلّة ووزرها على راحتيه ... مدحة عكّاش الشاغل والمنشغل بكل من حوله , بالقضايا الإبداعية عامة والشعرية خاصة , المقلُّ بالكتابة الشعرية والمكثر للغاية بممارستها كسلوكٍ إنساني ممعنٍ بالنقاء ..وهو المقلُّ أيضا بالكتابة الصحفية ..
ترجم نصّه إلى عمل ماديّ وصرفه جهداً ومتابعةً وحوارات وندوات شفهية مع تلك الباقة التي شكّلت وشغلت شاهدنا الثقافي السوري خاصة والعربي عامة منهم على سبيل المثال لا الحصر:  إلفت الإدلبي , ياسين رفاعية , زكريا تامر , جولييت خوري , غادة السمان , عبد المعين الملوحي , نجاة قصّاب حسن , حامد حسن , عبد السلام العجيلي , عبد اللطيف اليونس , عبد الرحيم الحمصي .. ناديا خوست , ....الخ  .
إن نظرة تأملية واحدة إلى هذه الأسماء تجعل المرء يدرك حجم مجلتنا وصاحبها وما شغلته من حيّز في الذاكرة الثقافية السورية .
مدحة عكأش يذكر بالكثير الكثير من القضايا الثقافية ولكن ما يقرن به دائما هو أدب الشباب أو الأقلام الشابة من حيث رعايته لهم واهتماماته المتكررة وتشجيعه لهم عن طريق إقامة المسابقات الأدبية أو إمداد المسابقات بالرعاية المادية والمعنوية..وتبني نشر نتاجهم بالمجلة والصحيفة وأحيانا نشر مجموعاتهم وإصدارها عن داره (دار الثقافة).
لن أتحدث هنا عن منتجه الإبداعي لا ولا عن حرفيته الإعلامية ولا عن علاقاته الممتدة لعقود مع مختلف شرائح المبدعين على مساحة الوطن العربي ..لا
ما سأتحدث به الآن ومن خلال تجربتي الشخصية المتواضعة ولقاءاتي المعدودة مع هذا الرجل ... نعم كان أولها على ما أذكر وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي في مهرجانات  رابطة الخريجين والجامعيين بحمص للشعراء الشباب , وأيضا في المركز الثقافي العربي بحمص بمناسبة إعلان جوائز منتدى الإبداع الأدبي فكانت رعايته ودعمه للمهرجان. واللقاء الأهم لي معه وكان مدعاة تواصل دائم بين عام وعام تقريباً فكان عام 1999 في شهر نيسان عند إعلان نتائج مسابقة منتدى أصحاب القلم بالكويت للقصة القصيرة وكان لي حينها شرف الفوز بالمركز الأول عن قصة ( ابتهالات ) وهي للأمانة أول قصة أكتبها في حياتي .
وبعد تسلم الجائزة كانت الجلسة الخاصة والمطولة لنا في مكتبه وكان أجمل ما فيه أنه يمنحك شعوراً بأهميتك وأهمية مشروعك من خلال متابعته لك وإصغائه التام , ودهشته الصادقة أمام ما هو شعري وجميل ..نعم كانت جلسة هامة بحضور بعض الأسماء أذكر منها الأديب أحمد الخوص , وكالعادة امتد الحديث ليشمل كل الحراك الثقافي وأسئلته الكبرى مركزاً على ما يخص الأدباء الشباب وضرورة النهوض بشعريتهم وشاعريتهم من خلال بذلهم كل الجهود للنهل من ينابيع الحياة الصافية وكنوزها والعمل والإنكباب على طاولات البحث والدراسة والإطلاع على كل ما هو جميل وماتع من تراثنا وتراث الشعوب ,
الأديب مدحة عكاش الذي عمل دون انتظار جائزة أو مكافأة من أحد ... ولو كان مشروعه عكس ذلك ويتخذ الطابع المادي الربحي لا الإبداعي الروحي لما كانت المجلة والجريدة تصل وبشكل مجاني لمعظم أدباء سورية وبعض أدباء الوطن العربي
...ثمة أمر فاتني أن أذكره في هذا المجال: بعد تسلمي الجائزة المذكورة أعلاه جائزة منتدى أصحاب القلم بالكويت سألني إن كنت أقرأ مجلة وجريدة الثقافة فقلت له : أحيانا عندما يتسنى لي الحصول عليها ..فأجاب بدهشة :  الم تصلك بشكل دوري على بريدك الخاص .
فقلت : لا أنا أشتريها من المكتبة ..حينها طلب وبشكل فوري من الموظفة أن تأخذ عنواني بالتفصيل ليتم إرسالها لي .. وفعلاً من حينها بدأت تصلني كما وجه لغيري من كتاب وأدباء سوريتنا النور واستمرت حتى آخر عدد صدر ودون انقطاع أو تأخر  وما ذكرت هذا إلاّ لأدلل على أن مشروعه ثقافي بحت غير قائم على أي منفعة مادية أو ربحيّة .
وتتالت زياراتي له من حلب إلى دمشق لعمل أو نشاط ما فكانت مجلة الثقافة محطة هامة لي ..أزوره بكل حيائي الريفي لأقدم له بعض نتاجي للنشر أو آخر إصداراتي الشعرية .
نعم مدحة عكاش في مشروعه هذا سجل علامة فارقة في الشاهد الثقافي السوري على أقل تقدير فكم وكم خص أدباء المحافظات بصفحات لا لنشر نتاجهم وحسب بل ليحرروا صفحات خاصة بمدنهم في الجريدة , كما خص أدب وأدباء الدول العربية بأعداد خاصة تضم نماذج من إبداعاتهم ...نعم مشروع اشتغل عليه بكل أمانة ووفاء ...
ولكن ما يحز في النفس أن هذه الأسماء التي بذلت ما بذلته في سبيل إنعاش حياة ثقافية وطنية ما , نلاحظها  ترحل بصمت , ويشيعون بصمت وإهمال أيضا دون حضور جهة ثقافية في هذا البلد .. لا اتحاد الكتاب العرب ولا وزارة الثقافة كما كتب حينها .
 

الفئة: 
الكاتب: 
عباس حيروقة