يا كتاب الدراما ... خذوا من تجارب هؤلاء !!

العدد: 
15865
التاريخ: 
الأربعاء, 7 تشرين الثاني 2018

إن المتابع للدراما السورية من أعمال تقدمها الفضائيات العربية ,يكتشف دون عناء بأن الدراما السورية بهذا الوقت الراهن ,هي دراما خرجت من عباءة كتاب (سينارست) لا يملكون من موهبة إبداع سوى تقطيع المشاهد وتقديم (حدوتة) مسطحة , تجافي الواقع بكل ما يحمله من بؤس.
أرابسك . . أنموذجاً .
يعرض الآن على شاشة الفضائية السورية (دراما) مسلسل أرابيسك للكاتب الأستاذ والمعلم أسامة أنور عكاشة ,فمن يتسنى له المتابعة يشعر بنشوة كبيرة وهو يتابع يوميات حي شعبي من أحياء القاهرة ,لقد رصد الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة مجتمعاً كبيراً يعيش حالات متناقضة ومتنافرة ومتوافقة ,نعم جمع الأضداد مع بعضها ,ليصهرها في بوتقة مدهشة في روعتها وأصالتها ,فشخصية البطل (حسن أربيسك) الذي تفوق في أدائها الفنان الرائع صلاح السعدني ,قدم شخصية تحمل الكثير من الخصوبة الشعبية العروبية السامية ,شخصية متلونه بكل ألوان الطيف الإنساني ,فبمقدار نزقها وتهورها ,إلا إنه يحمل الخير والجمال والفن الأصيل ,طيب وحنون ومعطاء مثل تراب مصر ,لم يكتف الأستاذ المعلم أسامة في رسم هذه الشخصية على حساب الشخصيات الأخرى ,حتى (شقشق) صبي الورشة يحمل بصمة خاصة ومتفرده به,منطوق كلماته توصف سنه وترسم شقاءه ,لقد أعلن السينارست أسامة أنور عكاشة عن تقديم حي من أحياء القاهرة الشعبية ,فبرع في رسم هذه الحاضنة الشعبية ,عبارة عن أناس مهمشين يصارعون واقعاً متبدلاً تغير بشكل مخيف ,وهي فترة التسعينات من القرن الماضي ,فكشف الغطاء عن عذاباتهم وبؤسهم ,فإذا نحن أمام لوحة صارخة بالألوان متنافرة ,الطمع بجوار عزة النفس والترفع , الأصالة المتجذرة يحاصرها تجار كل شيء وأي شيء , وهكذا نحن أمام شرائح مستعدة أن تبيع البلد بثمن بخس ,وفي المقابل أناس قدمت وعلى أتم استعداد بأن تضحي بنفسها وبكل ما تملك من أجل البلد . 
تكنيك بالكتابة ؟
يبني الكاتب أسامة أنور عكاشة مشهديته بطريقة مدهشة , فيعتمد المشهد الطويل المتداخل مع المشاهد التي تليه ,وكأنه يُعشق المشاهد باتجاه الذروة , يُصعد الحدث الدرامي من صدام بسيط ويدفع به وبشكل سلس ودون تكلف أو تزوير للواقع ليتصاعد الحدث الدرامي نحو القمة ,شخصياته محمله بمنطوق موروث شعبي رائع ,فجميع شخصياته تملك من الحكمة المنسجمة مع ثقافتها وسموها ووضاعتها لتدافع عن نفسها بشكل مقنع دون تكلف أو ادعاء ,فتاجر التحف (عتوقه),الذي لعب دوره الفنان (عادل أمين) هو مافيا بثياب تاجر تحف ومستعد أن يبيع أثار مصر للأجانب بتراب الفلوس كما يقولون ,وهناك على الطرف النقيض منه المحامي (مصطفى بطاطا) الذي أذهلني بصياغة دور المحامي الذي لم تقدمه الدراما العربية سابقاً ,وهذا المحامي الفريد بسلوكه وعفويته منحاز للفقراء والبسطاء ويقبل أتعابه مثلما يقول العامة (ملاليم) وقد سحرني  بأدائه الفنان الكبير محمد متولي في نسج دور سيبقى بالذاكرة , إضافة إلى الدكتور(برهان) المتخصص بالعلوم النووية الذي ترك مغريات الغرب (أمريكا) ليقدم لوطنه بعضاً من حقوقه عليه كما يقول ,ولعب دوره الفنان الكبير كرم مطاوع الذي أدى شخصيتين لتوأمين ,مستشار قضائي ودكتور بالفيزياء النووية ,ويتعرض للاغتيال لأنه رفض العودة ل(أمريكا) ،هما شخصيتان تمثلان الرافعة الفكرية والعلمية لنهضة مصر في العصر الحديث .
إن أحداث العمل الدرامي (أرابيسك) من صميم الواقع المعاش , واقع يحمل من الجمال والقبح بشكل مرعب ,فحدث الزلزال الذي أصاب مصر في تلك الفترة يستثمره الكاتب ليصرخ بألم ,وكأنه يقول بأن مصر بحاجة إلى زلزال فكري وحضاري حتى تعيد بناء نفسها من جديد وتأخذ لها المكانة اللائقة بين الأمم ,وهذه الصرخة تعني جميع البلدان العربية من المحيط إلى الخليج . 
وأجمل ما يحمله هذا العمل هو الخطاب الشعبي للشخصيات أي منطوقها اللفظي الذي يرمي سهامه بالصميم ,فكل شخصية محملة بتراث غني بالمفردات والصياغة الجميلة والحكمة ،ويأتي هذا عبر   الأمثال الشعبية المحملة بالوجع الذي يعانيه المواطن المصري .
الحلو ما يكملش ربما من الإشكاليات التي قدمها العمل وكانت مأخذاً عليه ,هو انه لم يستطع حسم مناخ العمل أي(بالصيف أم بالشتاء أم....) لأن بعض الشخصيات كانت ترتدي قمصاناً صيفية بينما بطل العمل حسن أرابيسك كان يرتدي سترة جلدية مطرية ,وأزياء العمل هي جزء جوهري من البنية الدرامية التي أصر عليها السينارست أسامة أنور عكاشة ,ولكن المخرج جمال عبد الحميد الذي برع في إدراة ممثليه وقع في هذا التناقض الصارخ ,رغم أنه استعان بالشاعر سيد حجاب والموسيقار عمار الشريعي في صياغة أغنية البداية والختام الساحرة .
همسة عتاب 
أرجو من كتاب الدراما العربية عموماً والسورية على وجه الخصوص أن يعيدوا قراءة أعمال هذا الكاتب الأستاذ إضافة إلى الأعمال الدرامية للكاتب د وليد سيف صاحب ملوك الطوائف وصلاح الدين الأيوبي و التغريبة الفلسطنية ,والكاتب أكرم شريم صاحب أيام شامية والكاتب محفوظ عبد الرحمن مبدع ليلة سقوط غرناطة و عنترة وسليمان الحلبي , ما قدمه هؤلاء المبدعون يمثل رافعة للكاتب كي ينجز ويتألق بصياغة نص درامي يلامس هموم المواطن العربي .  
 

الفئة: 
الكاتب: 
محمد أحمد خوجة