صالح قنباز ... اسم فوق النسيان (1-3) دار العلم .. مجلس من مجالس الدروس الوطنية

العدد: 
15865
التاريخ: 
الأربعاء, 7 تشرين الثاني 2018

تعتبر شخصية الشهيد صالح قنباز ، من الشخصيات الوطنية الفذة ، التي استطاعت أن تثبت جدارتها ، وتؤكد حضورها ، وتدعم مواقفها بالفعل والتنفيذ . فالمتتبع لسيرة هذه الشخصية المتميزة ، سيدرك حتماً أنها شخصية متنورة ، متعددة الجوانب ، متنوعة الصفات ، متشعبة الخصائص والخلال !.
وأنّ صاحبها بالإضافة إلى كونه طبيباً بارعاً ، وسياسياً مرموقاً ، هو أديب مبدع ، وخطيب مفوه ، ومرب قدير ، ووطني غيور ، ولعل هذه الخصائص مجتمعة قد حددت برنامج سلوكه في هذه الحياة ، ولعل ارتباط بعضها ببعض قد بلور مفاهيمه ، ورسم مساره الوطني والثقافي والاجتماعي والإنساني !.
فالأدب – كما هو معروف – بحاجة إلى ( لغة ) تصقل القلم وتقوم اللسان ، واللغة توّاقة إلى ( تعليم ) يشرح مفرداتها ويرشد إلى نحوها وصرفها وبلاغتها ، والتعليم يركض وراء ( قيم) تبث في عقول الناشئة وقلوبهم وتختلط بمشاعرهم وأحاسيسهم وعواطفهم ، والقيم ترنو إلى ( تضحيات ) جسام تصونها من أي خلل أو اعوجاج أو تشويه أو تزييف ، ولعل أعظم هذه التضحيات هي ( التضحية بالنفس ) ، وهذا ما فعله الدكتور صالح قنباز حين فاز ( بالشهادة ) ، فكانت خاتمة عظيمة لحياة عظيمة ، وكانت الحلقة الأخيرة من سلسلة عطاءاته ، وكانت التفسير الأكثر وضوحاً لحقيقة الارتباط بين خصائص متكاملة التصقت به والتصق بها ، إذ جاء الارتباط هنا ليجمع بين التضحية ، والوطنية، والمهنة الإنسانية ! لقد لبى صالح قنباز نداء مهنته الطبية ، وجازف بدمه وروحه في سبيل إنقاذ جريح من المقاومة الوطنية ، سقط برصاص العدو أمام باب بيته !!
ففي مساء 5 تشرين الأول من عام 1925 ، أي في اليوم الثاني من أيام الثورة العارمة التي اجتاحت حماة ، كان جنود الاحتلال يطوقون حيَّ      ( التل ) الذي يطل على تلك المدينة الباسلة ، بعد أن تمركزت عناصر من المقاومة الوطنية في هذا الحي الشعبي العريق ، وكان هنالك تبادل في إطلاق النار بين المطوقين المعتدين والمجاهدين الغيورين على أرضهم وعرضهم ، وعندما سقط أحدهم على بعد أمتار قليلة من باب آل قنباز ، سارع صالح إلى إنقاذه على الرغم من انهمار الرصاص ، ولم تنفع توسلات أهله في إقناعه بأن الخطر قاب قوسين أو أدنى ، فنداء الواجب كان أعلى من أي صوت ، ودعوة المستغيث كانت أسمى من أية دعوة ، وما كاد الدكتور قنباز يخطو خطوته الأولى خارج بيته ، حتى عاجلته رصاصات قاتلة صوبتها بنادق الجيش الفرنسي ، وهكذا سقط مضرجاً بدمائه ، بعد أن فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها .
لقد لمع اسم صالح قنباز في فترة عصيبة من حياة هذا الوطن ، وكانت حماة – بالذات – بحاجة إلى رجالات يقودون عامة الناس ، ويمضون بهم نحو العلم والتطور ومجاراة العصر ، وقد رأى صالح قنباز أنه لا بد من دعم آرائه النظرية بمواقف عملية ، لا بد من أن يحول وطنيته وتوجهاته السياسية إلى عمل يرتبط مباشرة بأهالي مدينته ، فكانت فكرة إنشاء مدرسة ( دار العلم والتربية ) التي أرادها مجلساً من مجالس الدروس الوطنية ، وموقعاً من مواقع التنوير والتطوير ، ومنطلقاً نحو نهضة ثقافية ووعي سياسي واجتماعي يدفع إلى مجابهة التخلف ومجاراة الأمم المتطورة في شؤون المعرفة وأصول التخطيط ، بل التفوق عليها في كل ما يؤدي إلى التخلص من براثن الجهل التي تنشب في عنق الوطن وعنق المواطن .
ففي بداية العهد العربي الهاشمي، وحين زار الملك فيصل بن الحسين مدينة حماة ، تقدم إليه جماعة من أهل الفضل بطلب معاونته لتأسيس مدرسة أهلية على النمط الحديث ، فتبرع بألف جنيه ذهبية ، وتبرع الحمويون بمبلغ أربعة آلاف ليرة ذهبية ، وتم إنشاء المعهد ( دار العلم والتربية ) الذي افتتح أبوابه للدراسة في اليوم الأول من كانون الثاني عام 1919 ، أي أنه مضى على افتتاحه خمسة وثمانون عاماً ، وقد ابتدأ المعهد بالصفوف الابتدائية نهارية وداخلية ثم أسس القسم الثانوي ، وأشرف على التعليم فيه مباشرة رئيس العمدة الدكتور صالح قنباز الذي أمده بنظامه الداخلي والكتب والمواد المساعدة التي ابتاعها من أوربا .
ولما وقع الاحتلال الفرنسي انصرف صالح قنباز إلى العمل الصامت ، وجعل هو وإخوانه معهد ( دار العلم والتربية ) مجال نشاطهم ، ففيه عقدت الاجتماعات ، وألقيت المحاضرات ، وأقيمت الحفلات التي مثلت فيها روايات كانت تعلِّم الناس معنى الوطنية الصحيح ، كما تم وضع عدد من الأناشيد الحماسية التي باتت تنشد في هذه الحفلات .
لقد أصبح هذا المعهد – حتى بعد استشهاد صالح قنباز – منارة علم ، وسراج معرفة ، وموقعاً من مواقع النضال ضد الاستعمار ، ولا غرابة في ذلك ، ما دامت الرسالة التي حملها الطبيب الشهيد ترنو إلى مزيد من التضحيات ، ومادامت الطريق التي مهدها تصبو إلى خطىً  ثابتة يمشيها الساعون نحو هدف منشود .

الفئة: 
الكاتب: 
د. موفق أبو طوق