بين قلق درويش وكازانتزاكيس

لاشك أن قارئ محمود درويش يستطيع  أن يشكّل صورة شبه متكاملة عن شخصيته, عما تختزنه وتكتنزه هذه الذات الشاعرة من ماء ونار .. من نور ونار .. من شوق وحنين وغربة واغتراب .. من قهر وحرمان, من خرائط وسلاسل وسجون .. من مخيمات وطوابير من المقهورين الجائعين أمام منافذ وكالات الغوث. إنه الشاعر والثائر والفدائي .. بندقيته دائماً محشوة ويده على الزناد .
 حاله حال الأديب والروائي الاستثنائي  اليوناني نيكوس كازانتزاكيس الباذخ بذات متمردة ومضرجة بالكبرياء والعزة ( ذات مرة قال لي كريتي: حين تقف أمام الأبواب السماوية و لا تفتح لك لاتمسك المطرقة لتدق الباب.. بل أنزل البندقية عن كتفك و أطلق، أتعتقد أن الله سيخاف ويضطر لفتح الأبواب .. لابني لن يخاف لكنه سيفتحها لأنه سيعرف أنك عائد من المعركة ) . 
هكذا درويش أيضاَ دائماً بحالة حرب بحالة معركة طالما أن له أرضاً وحقوقاً مغتصبة .. دائماً يقرع كل الأبواب بأزيز الرصاص إلا بوابات الحنين والحب والمرأة فيقرعها بالياسمين.. باخضرار الزيتون.
محمود درويش قلق في نصه و لكن ما هي ماهية هذا القلق روحيَ، عقلي، قلبي .. هذا القلق مهما يكن منشأه أو نوعه فإنه خلق نصاَ إبداعياً متكاملاً متوهجاَ .
محمود درويش في علاقاته مع المرأة احتفائية (جسداً و روحاً) يقاطع بينها و بين الأرض ويقدمها كحالة هامة من حالات الخلق العظيم كما كازانتزاكيس بأقواله و أفعاله الاحتفائية بالأنثى (المرأة أقوى من الصلاة ومن الصوم) إضافة لذلك يحتفي درويش بالأصدقاء فكتب عنهم و تأثر بهم  فرفعهم إلى مصاف أو مراتب الأنبياء كما في (مرثية لماجد أبو شرار) من ديوانه حصار لمدائح البحر .. من الصعب أن أتأمل موت حبيبي و لا أرمي الأرض في سلة المهملات . 
و هذا يعيدنا أيضاَ إلى كازانتزاكيس و علاقاته الاحتفائية بالأصدقاء، علاقته بزوربا مثلاً فحين وصله نبأ وفاته صرخ .. أرواح كهذه يجب أن لاتموت هل في وسع الأرض و الماء و النار و الحظ أن يعيدوا تشكيل زوربا آخر، إضافة لحالات كبيرة وكثيرة يتقاطعان بها مع بعضهما ولامجال للتوسع و لكن أذكر سريعاً علاقتهما مع الموت – مع المرض – مع الصليب .. إلخ يتقاطعان في طرح الأسئلة  الكبرى و يعملان على قراءة أجوبتها في أعين المجتمعات المتحاربة منها و المتحابة ليعيدان طرحها بشكل استنكاري لا استفهامي لتوليد حالات الغضب والثورة والتحرر . 
والحديث يطول ولكن لن أتوسع في ماهية حقيقة الشعر وأسباب تمايزه أو أتوسع في إيجاد نقاط أخرى من حالات الالتقاء بين هذين الرمزين وهي كما قلنا كثيرة ولكن سأختم بقول لكازانتزاكيس ردده في أكثر من عمل و هذا القول يختصر ماهية الشعر و يطرح أجوبة عدة لسؤال هام و مؤرق.. 
يقول : قلت لشجرة اللوز حدثيني عن الله يا أختاه ... فأزهرت . 

 

الكاتب: 
​عباس حيروقة
العدد: 
15866