شتاء حماة منتصف القرن الماضي

العدد: 
15866
التاريخ: 
الخميس, 8 تشرين الثاني 2018

 لم يكن شتاء حماة في منتصف القرن الماضي في قدومه يشبه كما في المدن الكبرى أو العواصم من حيث استعداد البلدية لفصل البرد والثلوج والأمطار, وعلى الرغم من أن المدينة يمر فيها نهر العاصي, وأحياناً يزداد هطل المطر فيشكل سيولا عارمة ينجم عنها كوارث وفيضانات وخسارات في الممتلكات وتخريب للأراضي الزراعية..
كانت الأهالي تستعد لقدوم فصل الشتاء بتفقد أسطح منازلها من تصدع طارئ,أو تشقق ربما ينجم عنه دلف الماء لداخل الغرف وتراهم يقومون بدحل السطح وسد الشقوق, كما ويستعدون للبرد بتموين الحطب للمدافىء كما الفحم للمناقل, والاستعداد الكامل لتموين المواد الغذائية من الطحين والبرغل والعدس...والزبيب والتين والمكسرات للسهرات والأجبان ولحم القاورما واللبن المجفف «الكشك» إضافة الى الخضروات الصيفية التي جفَّفت في مواسمها من ملوخية وبامياء تشك بالخيطان كما الباذنجان وغيره ..ولاننسى أن الخضروات الشتوية من بساتين حماة كالملفوف والقرنبيط والكرات والسبانخ و..و..كلها يانعة ولذيذة الطعم..
وكانت النساء تقوم بتنظيف  البيت «تعزيلة الشتاء» وذلك استعدادا لمدّ الأرض من السجاد الصوفي البلدي والحصر واللبَّاد كما وتقوم بتهيئة الألبسة الشتوية الصوفية وكنت ترى توقياً واحترازاً للبرد يكثرون من اللباس طبقات طبقات حتى قيل في الشتوية تكثر لبس الشراطيط وأكل المخاليط «الشوربات» , أتذكر جدتي تلبس خفًّا من الصوف كما المصلين نعل الصلاة من الجلد الرقيق ومسحه كالتيمم عند الوضوء..كما أن أكثر النساء تصنع الكنزات والطواقي بالصنارة..
كم كانت تحلو سهرات النساء والرجال كلٌّ في مجلس وتصنع الحلوى من القطايف والسيالات والمشبك والبقلاوة و الكنافه و..و..كان زمن الخير والكرم ويتخللّ السهرات أحياناً رقص وطرب وعزف على آلات موسيقية مختلفة، كانت الناس تأوي لبيوتها بعد صلاة العشاء وخاصة عند هطول المطر الغزير. ومن يريد السهر خارج البيت ففي المقاهي أو حضور فيلم سينما وكانت أكثر الحارات تحوي مجالس قناقات «بيوت سهرة» لأبناء العائلات «عضمية كيلانية برازية.بحسب سكن كل عائلة وتراهم يتسامرون ويضحكون بكل أريحية ومحبة أبناء حي واحد مجتمعين قلباً واحداً فقيراً كان أم غنياً كانت الناس ترتاد الحمّامات العامة من رجال ونساء لشح وجود الحمامات في أكثر بيوت العامه كنا نذهب للمدرسة ننتعل الجزمة المطاطية بألوانها أسود أبيض أحمر توقيَّا من حومات مطر تعترض الطريق, كم كنا نقف حول عربة بائع الشوندر المسلوق والفول امام باب المدرسة نأكل ونضحك وتتصاعد ابخرة أنفاسنا الدافئة من أفواهنا  من شدة البرد .
كم كنا نسعل وتدمع أعيننا عند انطفاء مدفأة الصف فيتصاعد منها دخان خانق...   كان يبدو الواحد منا في مظهره لكثرة اكداس اللباس كدركي فهو لا يستطيع التلَّفت لكثرة مايلبس..
انا لاأنسى إيقاع سقوط المطر على صفيحة تدلف نقطة نقطة من السقف على داخل الغرفة وبين زمن وزمن تقوم أمي رحمها الله بإفراغها ...
لاأنسى نغمات عزف المطر على صفائح التنك والتوتياء تصدر إيقاعاً رتيباً يهدهد الجفون ويستجلب النوم كصوت الجنادب في الليل بين أحواض الزريعة ..
لاأنسى اللمَّه وأخوتي وأولاد عمي وخالاتي في السهرات حول مدفأة الحطب ونحن نلصق بجدرانها أرغفة الخبز حتى تسخن نستمتع بأكلها تحت أضراسنا ,
لاأنسى طعم الكستناء المشوية, والبصل المشوي , والجبن المشوي ..  لاأنسى كيف كنت أجمع لجدي ورق الكينا فيضعها داخل قدر يغلي بمائه ويضيف لها الكينا فتصدر أبخرة في حسبانه تطرد الرشح والجراثيم ..وكم كنا نشرب مغلي الزهورات والزوفا والبابونج والمليسة لأمراض الرشح والصدر..
لاأنسى كيف كانت تظهر الحجارة الصوَّانية التي ترصف أرضية الشوارع والحارات تلمع وضاءة وكأنها دُهنت بورنيش بعد نزول المطر وغسلها ...
لاأنسى صوت بائع الحليب باكراً , وكأنه قادم من عَالم آخر , لاأنسى كنت أشتري لأهلي السحلب والمغطوط للفطور...
لاأنسى ذات مرة وقد أثلجت كيف جمعنا كمية من الثلج وأضفنا له التوت الشامي  وعصير البرتقال ..وكم كانت أكثر النساء تصنع أكلة حبوب يضيفون لها شمرة ويانسون وماء زهر وعلى وجهها المكسرات وجوز الهند كم كانت لذيذة شهية 
أيام ع البال 
سقى الله تلك الأيام الجميلة ورحم الله أهلها                                                                                       

الفئة: 
الكاتب: 
محمد مخلص حمشو