نواعير حماة .. وأدبيات الراحل قنباز!

 في أواسط الستينات من القرن الماضي, بدأ أديبنا الراحل وليد قنباز بكتابة سلسلة من المقالات في هذه الجريدة بالذات, تتحدث عن تلك الدواليب المائية الضخمة التي ترافق  نهر العاصي منذ دخوله حماة وحتى خروجه منها, لقد أسهب وليد آنئذ في الشرح والتفصيل، وأفلت العنان لقلمه كي يصول ويجول في أحاديث تسلط الأضواء على تلك النواعير, مبرزاً أهميتها التاريخية والأثرية, وموضحاً مهامها الزراعية والاقتصادية ,كما أنه لم ينسَ الإشارة إلى دورها السياحي، وأثرها الأدبي وقيمتها الجمالية!
 وعندما سافر الأستاذ وليد قنباز إلى الجزائر (ضمن البعثات التعليمية الرسمية التي أوفدها القطر العربي السوري في تلك الآونة, للإسهام في عملية التعريب, بعد أن تخلصت الجزائر من براثن العدو الأجنبي, الذي سعى أيام الاحتلال إلى فرنستها وطمس هويتها العربية والإسلامية) .. تابع  نشر مقالاته التي تتعلق بالنواعير, وكان يرسلها عبر البريد إلى جريدة الفداء، وكان يضيف إليها حديثاً عن النواعير المماثلة التي شاهد  بعضها في بلاد المغرب العربي.. فكنا نقول من باب التندر والدعابة: ( تخلّصنا من الوليد ولم نتخلص من نواعيره)! وكنا في تلك الأيام فتيةً أغراراً, لم تطحننا الأيام بعد, ولم نكن ندرك أبعاد هذه الأحاديث الحيوية التي تهدف  إلى رفع قيمة بلدنا في عيون الآخرين, ووضع آثاره وأوابده في المنزلة التي تستحقها عالمياً. 
 واستمر الأستاذ وليد يبذل قصارى جهده في هذا المضمار, حتى قدوم السنوات الأخيرة من حياته, حين أقعده المرض العضال, ومنعه من مزاولة الكتابة نهائياً, ولعل الأمر الذي كان يحز في نفسه كثيراً, أن يرى النواعير متوقفة بين حين وآخر, بسبب نقصان مستوى الماء في مجرى العاصي, كان يطالب القائمين على هذا الشأن المحلي, بأن يجدوا حلاً عصرياً, يتيح الفرصة لنواعير حماة لأن تدور وتدور من دون توقف, حتى في الوقت الذي يتم فيه قطع الماء اضطرارياً من بحيرة سد الرستن, كان يطالب بإلحاح ويناشد بتوسل, وأذكر أنه كان يستعمل ذلك المصطلح العامي الطريف: (أنا داخل عليكم).. أجل هكذا كان يفعل, في إطار أسلوبه المرح الذي عُرف به!. 
 وتوفي الأسـتاذ  وليد قنباز رحمه الله, وفي قلبه  حسرة على المآل الذي آلت إليه النواعير, لكن النواعير لم تمت, بل بقيت حيّة في قلوب محبّيها وعاشقيها, وبقيت أزمتها  ماثلة  للعيان تبحث عن حل جذري, فهي  تدور أسابيع ثم تتوقف, وتعود لتدور فترة أخرى من الزمن لتعود ثانية إلى التوقف, وفي كل مرة يُعادُ بناؤها وصيانتها, وتُسفَح المبالغ الطائلة في سبيل  إعادتها إلى الحياة!.. 
 وفي هذه الأيام, يتناقل الناس هنا وهناك أحاديث جانبية, مفادها أن مجموعة من المهندسين الغيورين قد انتهوا منذ زمن بعيد من وضع مسودّة مشروع يهدف إلى جعل نهر العاصي يجري باستمرار, ضمن دائرة مغلقة, داخل مجراه الطبيعي المار في مدينة حماة, وبالتالي جعل النواعير في حالة دوران دائم, مادام الماء الغزير يندفع نحو أقنيتها, ويحرك ألواحها الشعاعية المركّبة على محيط دوائرها. 
 هذا المشروع الحيوي  قد استكملت جوانبه, وأصبح جاهزاً من الناحية النظرية والفنية والهندسية, ولم يعد هناك حائل طبيعي  يحول دون تحويله   واقعاً  ملموساً!.. ولكن العقبة الكأداء التي تقف  في وجهه هي الميزانية  التي يجب أن تخصص له، وقد لايستطيع مجلس مدينة حماة أن يوفرها له بالكامل. 
 مرة أخرى..  نتمنى لهذا المشروع أن يفتح عينيه, وأن نراه قريباً قيد التنفيذ، فآلاف السياح يتمنون المجيء إلى سورية كي يروا نواعير حماة, فمدينتنا هي الوحيدة  التي خصها الأقدمون بهذا النموذج وشهرتها قد تجاوزت الآفاق, وكم هو محزن أن يقطع السائح آلاف الأميال, ليجد أن النواعير التي كانت سبباً لمجيئه, واقفة, مكتوفة الأيدي, لاتبدو  منها  أدنى حركة, وقد فقدت جمال منظرها وروعة لحنها, وإنعاش رذاذها!! 

 

الكاتب: 
د. موفق أبو طوق
العدد: 
15873