رأي : بين الشخصية العفويِّة والشخصية المتزنَّة

زمننا زمن ساد فيه التصنّع والتكلّف والخبث والعنفوان والخداع والكذب في أمور الحياه التي باتت تكتظ بالمشاكل والأحداث . وقلَّ ما تصادفك شخصية عفويِّة لأنها غدت في زمننا هذا كما قيل «عملة نادرة» و رمزاً من رموز التواضع والبساطة والطيبة والمرونة وعدم التكلف والرسمية , ولأن العفوية أجمل شيء في الحياة  و العفوي لا نفاق عنده  أو كذب في حياته، ومن صفاته انك تراه يكسب حب الآخرين أكثر من الشخص العادي. فالعفوية هي الفطرة الأساسية التي يُخلق عليها الإنسان، وتراه يتصرف بطبيعته وبنيِّة وفطرة طيبة , والدليل إن أحب الناس من يتصرف بعفوية مثل حبنا للأطفال لأنهم عفويين ويتصرفون وفقا لبراءتهم   وصاحب الشخصية العفوية محببٌّ لدى الجميع وأغلب الشخصيات العفوية تعتبره شخصية جذابة جداً لما يتمتع به من خفة ظل وروح مرحة والعفويِّة مطلوبة أحياناً في فصول الحياة لأنها تكسر القالب الروتيني وعلى الانسان أن يتعلم كيف يطلق عفويته في الوقت المناسب و مع الشخص المناسب ليبقى في المكان الصحيح .
لكن هل الشخصية العفوية شخصية ساذجة؟؟ أم أنها بعيدة كل البعد عن تلك المفاهيم التي اختلطت في زماننا هذا؟؟  
إننا نعيش في زمن يحتم علينا أن نواجه الحياة وظروفها المتكالبة بأكثر حكمه ودراية .. فلا يجوز الإفراط   في الطيبة فلا العفوية منفردة حتى ولا الشخصية المتزمتة تصلح أن تقودنا في الحياة كل منفردة  لوحدها , فخير الأمور أوسطها .
إن الإنسان العفويّ بسلوكه يتصرّف على طبيعته، فلا يبدو متصنعاً ولا يسعى للظهور بما ليس هو عليه. فأسلوب الكلام العفوي ينمّ عن قول الأمور دون التحسّب من وقعها على الآخرين، أو دون التفكير بها، فتجد لسان الإنسان العفوي ينطق بما في قلبه وهذا قد يتسبب له ببعض المتاعب أحياناً. أما عفويّة اتخاذ القرار فهي بأن يبتّ الشخص في أمر ما دون أن يفكر في عواقبه بتبصر ودقة ، فخياراته وليدة اللحظة بعيداً عن أية حسابات. وقد تقوده الى الخطأ والندم حيث لا ينفع الندم .
إن تصرفات و تصريحات الإنسان قد تصطدم بأعراف المجتمع، فالناس الذين يفقهون أهمية الصدق هم ذاتهم الذين لا يتقبلون الصراحة خالصة ولا حتى النقد البناء وتجدهم  يحثّون غيرهم على النفاق و الكذب، هنا يعيش الإنسان العفوي صراعاً بين (الخير و الشرّ) الذي  قد يؤدي إلى السيطرة نسبياً على عفويته رغم أنه لا يفقدها.
إن الإنسان العفوي يمتاز بطيبته الزائدة عن الحد، ولذا فقد يسهل خداعه والتغرير به، ويضيف: طيبته الزائدة قد تحوله من دون قصد إلى شخص عديم الشخصية ما يؤدي إلى استهزاء الآخرين به . الشخص العفوي صاحب فطرة سليمة ونية صافية، ومنهم من يربطه بالسذاجة . فمن هو العفوي؟ هل هو شخص مرغوب فيه أم شخص يسبب المشاكل؟
إن الشخصية الأفضل الناجحة في الحياة هي الشخصية المتزنة الواعية المدركة لكل ما ينطق من حروف ،فالمشاعر كزجاج المرآة ، إذا انشرخ قد يمكن لصقه وإعادته إلى ما كان عليه ممكنا .. لكن أثر الشّرخ يبقى ظاهراً إلى نهاية العمر. نحن نبحث ونفضل العفوية المسؤولة المتزنة التي تتمتع بإيجابيات العفوية مع ضرورة الاتزان والوعي الكامل لكل ما يقال وكل ما يصدر من أفعال. فالاعتدال العفوي مطلب لضبط أخلاق الناس العامة،  وإجرائها على سنن الفطرة الأخلاقية فانظر ما أنت عليه في حياتك واختر شخصيتك .
محمد مخلص حمشو