الفداء_ عمار أبو شاهين:
في شباط 2026، ومع انقضاء الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، لا يبدو مشهد الغلاء الفاحش في أسواق حماة مجرد انعكاس لطلب موسمي عابر، بقدر ما يظهر كعرضٍ لمرض أعمق يتصل بتفكك آليات الضبط وانكشاف البنية الإنتاجية أمام صدمات التكلفة.
ما يحدث اليوم في أسواق حماة الشهيرة كشارع 15 آذار، وحي جنوب الملعب، والصابونية، والحاضر الكبير، من قفزات سعرية لامست حدود الـ 100%، يتجاوز منطق “جشع التجار” التقليدي ليضعنا أمام تساؤلات جوهرية حول فعالية الرقابة التموينية والجدوى الاقتصادية للسياسات السعرية المتبعة.
أولاً: تضخم التكلفة.. الطبق اليومي في مواجهة “عجز الطاقة”
حين ترتفع أسعار الخضار الأساسية كالبندورة والبطاطا بنسب تتراوح بين 35% و100%، نكون أمام تشخيص ميداني لطبيعة الاقتصاد المحلي؛ فالسوق لا يسعّر بناءً على وفرة المادة فحسب، بل بناءً على “عدم اليقين” في تكاليف الوصول إليها لاحقاً.
أم سمير، ربة المنزل في حي الصابونية، التي باتت تلمس قفزة سعر البندورة من 50 إلى 120 ليرة (بالعملة الجديدة)، تعبر بمرارة عن واقع لم يعد فيه “الغذاء” حقاً بديهياً، بل عبئاً مالياً يقتطع من حصة الدواء والاحتياجات الأخرى.
المشكلة هنا تكمن في أن السلعة التي تبدو “محلية” في أسواق حماة هي في واقعها مثقلة بتكاليف “غير محلية”؛ من طاقة مختنقة ترفع أثمان الغاز والكهرباء، إلى سلاسل إمداد تفرض هوامش وقائية تحسباً لتقلبات قادمة.
لذا، فإن وصول سعر ليتر الزيت النباتي إلى 240 ليرة (جديدة) أو قفزة أسطوانة الغاز في السوق السوداء إلى حدود 4 آلاف ليرة، ليست مجرد أرقام، بل هي “ضرائب تضخمية” غير معلنة يدفعها المواطن نتيجة الفجوة بين الإمدادات الرسمية والاحتياج الفعلي.
ثانياً: قطاع الدواجن.. صدمة العرض والبحث عن مخارج
يبرز غلاء الفروج في حماة كأحد أكثر النماذج وضوحاً على “أزمة التكلفة”؛ فارتفاع سعر الكيلو إلى أرقام تجاوزت الـ 750 ليرة (جديدة) لصدر الدجاج، وضع المادة خارج متناول الشريحة الأوسع من المستهلكين.
هنا لا يمكن فصل الغلاء عن أزمة الأعلاف والطاقة والتدفئة، وهو ما يدفع بالمنتجين نحو “التسعير الإحتياطي”. أبو محمد، الذي يقف حائراً أمام واجهة محل الفروج، يمثل لسان حال آلاف العائلات التي أُجبرت على “إعادة فرز استهلاكها”، واستبعاد البروتين الحيواني من مائدة الإفطار، في مؤشر خطير على تآكل القدرة الشرائية لمستويات غير مسبوقة.
ثالثاً: ما وراء الرقابة.. نحو نموذج “تدخل” أكثر فاعلية
المطالب الشعبية التي ينقلها تجار ومواطنون في سوق الحاضر، مثل “أبو عمر”، بضرورة تفعيل الدوريات الأمنية والتموينية، تكشف عن قناعة بضعف أدوات الردع الحالية. لكن الحل، كما يقرؤه الواقع الاقتصادي، لا ينتهي عند إغلاق محل أو تنظيم مخالفة؛ بل يمتد ليشمل ضرورة إطلاق “أسواق شعبية مدعومة” فعلاً لا قولاً، وإعادة النظر في سياسات استيراد مدخلات الإنتاج، خاصة لحوم الدجاج، لكسر حدة الاحتكار وتوسيع العرض.
إن ما تشهده حماة اليوم هو نسخة من أزمة اقتصادية تعيشها باقي المحافظات السورية؛ حيث تتحرر الأسعار وتتكشف المخاطر بسرعة تفوق قدرة المؤسسات التنظيمية على الاحتواء. السؤال الذي يطرحه الشارع الحموي اليوم ليس “متى ستنخفض الأسعار؟”، بل “أي استراتيجية وطنية يمكن أن توقف تحويل كل اختناق في الطاقة أو الاستيراد إلى أزمة معيشية تنهك صيام الناس وصبرهم؟”.
#صحيفة_الفداء