سليق القمح بريف حماة.. طقس تراثي يقاوم النسيان وسط مشقة التحضير

 

الفداء_  دايانا بلول

منذ ساعات الصباح الأولى، تتخذ حنان توفيق موقعها بجانب الوعاء الكبير، “الحلة”، في باحة منزلها بريف مصياف، لتشعل النار تحت القمح المحضّر لمؤونة الشتاء، بالنسبة لها، لا تقتصر هذه العملية على تحضير البرغل، بل هي استعادة لطقس جماعي تتناقله الأجيال في قريتها.

تستحضر حنان، تفاصيل هذه العادة لصحيفة الفداء، وهي تقلّب الحبيبات، لتشرح مراحل العمل بالقول: “نأخذ القمح ونغسله وتسمى هذه المرحلة (الصويل)، وبعدها توضع الحلة على النار ونضع فيها القمح المغسول ونغمره بالماء ونتركه حتى يغلي”.

“وبعد الغليان نبدأ بتجميعه في وسط الحلة وهو ما يعرف “بالقومعة”، وهي الطريقة التي نعرف  من خلالها مدى جفاف الماء”. وتتابع واصفة خطوة التجفيف: “ثم بواسطة ملعقة خشبية كبيرة “غاروف”، نخرج القمح المسلوق ونضعه في سلل مصنوعة من العيدان “قفة”، وبعد تنظيف السطح نفرد القمح عليه لتجفّفه الشمس تماماً، قبل جمعه في أكياس لبدء عملية التنقية من الشوائب (كالدراس، الدحيريجة، الزيوان، والحصى)”.

موسم يجمع ولا يفرق

هذا العمل اليدوي لا يحمل طابعاً تقليدياً فحسب، بل يمتد ليشكّل مساحة تواصل اجتماعي يصفها بعضهم بموسم البركة. وحول هذا الأثر، يتحدث قصي الهاشم، ابن إحدى العائلات المتوارثة لهذه المهنة لصحيفة الفداء: “نشعر بالامتنان لمشاركة الخير مع الغير، فهذه هي الخطوة الأخيرة في موسم الحصاد، وتوزيع أطباق السليقة يعتبر بمثابة احتفالية ختامية للموسم”.

ويتوسع الهاشم، بسرد تفاصيل هذا المشهد، حيث يجتمع أفراد العائلة لتتوزع الأعمال بينهم بهمة ونشاط، في مشهد يعيد للأهالي جزءاً من روح الماضي، حيث إن الاجتماع لم يكن يقتصر على العائلة وحدها، بل كان يجمع أهالي القرية ككل بتعاون  يمنع ترك العمل لعائلة بمفردها.

وعلى الرغم من أن اجتماع العائلة الواحدة، أصبح اليوم أصعب من ذي قبل، إلا أن عادة “إعارة أدوات السليقة”، ما زالت حية بين الجيران للحفاظ على روح التكامل.

نظرة الشباب.. بين صعوبة السليق  وسهولة الجاهز

بدورهم يرى الجيل الجديد بمنظور مختلف تماماً عن الآباء والأجداد، وهنا يوضح يوشع ناصيف، أحد أحفاد عائلة لا تزال تتمسك بزراعة الحنطة والسلق التقليدي، واقع هذه التجربة للفداء بالقول: “نحن أبناء الجيل الجديد نستصعب هذا العمل الإجهادي، ونجد أنه من الأسهل شراء كيلو برغل جاهز بدلاً من تكبّد كل هذا العناء”.

ويضيف شارحاً ظروف قدومه: “كأحفاد نأتي لقضاء عطلة صيفية ننتظر فيها اللعب والراحة، فنتفاجأ بضخامة الشغل والجهد المبذول، لكننا ندرك تماماً أننا سنعرف قيمة هذا التعب والأصالة عندما نكبر وتصبح هذه الذكريات مرجعنا، هكذا يقول أبي”.

يبقى طقس سلق القمح أكثر من مجرد إعداد للمؤونة، إنه درس عملي في التضامن الإنساني، وصون الهوية التراثية. فمهما تغيرت أدوات العصر وتبدلت مفاهيم السهولة لدى الأجيال، تظل بركة العمل الجماعي وسيلة لحفظ التكافل الاجتماعي، وتمرير قيم العطاء بين الأجيال.

 

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار