أقواس الأبنية الحجرية بريف مصياف.. بصمة هندسية تحدّت الزمن والهزات

الفداء

​تحت قوس حجري قديم في إحدى قرى ريف مصياف، يمكنك أن تشعر بفرق درجات الحرارة فور دخولك، برودة لطيفة في الصيف، ودفء محبوس من برد الشتاء الجبلي. ليست هذه الأقواس والقناطر مجرد زينة معمارية تشدّ البصر في الواجهات، بل هي بمثابة هندسة بقاء، ابتكرها ابن المنطقة ليتعايش مع بيئته الصخرية القاسية، حافراً في حجرها المحلي، ليصنع مأوى صمد لعقود دون ذرة إسمنت واحدة.

​في قراءة لمعالم هذا التراث المعماري، أكد الباحث في الآثار الإسلامية، الدكتور هيثم الحسن، لصحيفة الفداء، أن استخدام العقود والأقواس الحجرية في البيت الريفي التقليدي، يمثّل الحل الهندسي والجمالي الأبرز لحمل الأسقف، وتوزيع أوزانها الثقيلة، دون الحاجة لأعمدة وسطية تقطع الفراغ، أو دعامات خشبية كبرى.

​تقنية الرصف لتوزيع الأحمال

​عن آلية بناء هذه الأقواس، أوضح الحسن، أن البنّاء اعتمد على رصف الأحجار بشكل قوسي متتابع حول الفتحات والنوافذ، مما ينقل ثقل البناء كاملاً إلى جانبي القوس، ويمنح الجدار قدرة عالية على تحمّل الضغوط الشديدة.

​في العودة إلى أصول هذا النمط، بيّن أيضاً، أن الأقواس نصف الدائرية، والمدببة، والمنخفضة، تحاكي أساليب معمارية قديمة تعود للعصور القديمة كالفينيقية والرومانية، لكنها طورت إنشائياً، لتوائم احتياجات الأسرة الريفية وطبيعة البيئة الجبلية.

​متانة هندسية ومقاومة للزلازل

​حول الأثر الإنشائي للبناء، لفت الحسن، إلى أن القوس يحوّل قوى الضغط والشدّ الناجمة عن الأسقف الطينية والحجرية، إلى الجدران السميكة، ما يمنح البيت مساحات داخلية واسعة ومفتوحة.

​زمن حيث الثبات أمام الكوارث، أضاف أن هذه العقود، تتسم بمرونة ميكانيكية، وتماسك طبيعي، يمتص الاهتزازات الأرضية بفاعلية أكبر مقارنة بالأسقف المستوية الحديثة.

​عن التكيّف المناخي داخل البيت، أشار الدكتور الحسن، إلى أن الارتفاع الذي تمنحه القبوات يخلق فراغاً هوائياً يجدد الهواء باستمرار، ليحفظ دفء المكان في الشتاء،  وبرودته في الصيف، فضلاً عن الحدّ من رطوبة التربة الممتصة.

​ضمن أنواع العقود المستعملة، تتنوع الأشكال بين نصف الدائري البارز في الواجهات والشرفات، والقبوات المتقاطعة التي تسقف الغرف المربعة الكبيرة، حيث تتلاقى الأقواس في نقطة مركزية، والعقود المنخفضة في الممرات والأبواب لتخفيض الارتفاع مع حماية متانة البناء.

​وبالنسبة للحفاظ على هذا الموروث، اختتم الباحث في الآثار الإسلامية، بالتأكيد على أن حماية ما تبقّى من هذه الأبنية، صون مباشر لذاكرة ريف مصياف العمرانية والثقافية، كي لا تتحول هذه العبقرية الهندسية  إلى مجرّد أطلال.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار