من الأرض إلى عتبة البيت..حكاية مكنسة القش وصناعتها

الفداء 

​في أرضه الصغيرة المجاورة لمنزله، يقف منير الراعي متأملًا نبات “المكنس” الذي زرعه بيده، يمسك بكل عود بعناية، يختبر صلابته ورطوبته ليعرف إن كان يستحق أن يجمع مع بقية الأعواد في حزمة واحدة، هنا تماماً تبدأ حكاية حرفة يدوية قديمة توارثتها الأجيال، وتقاوم اليوم من أجل بقائها.

​لا تتحول النبتة إلى أداة تنظيف بلمسة سحرية، بل تمرّ برحلة شاقة من العمل اليدوي الدقيق، تبدأ من بذر الأرض، وتنتهي بأداة بسيطة رافقت العائلات لسنوات طويلة في تنظيف المنازل والساحات، قبل انتشار المكانس الحديثة.

​دورة الحياة.. من البذرة إلى المنجلة

​ببراعة يدمج فيها الخبرة مع الصبر، يجمع منير عيدان النبتة بعد نضجها، ثم يفرز السيقان بعناية ويفرشها تحت أشعة الشمس لتجفّ تماماً وتفقد رطوبتها.

​”تبدأ العملية باختيار العيدان القوية وترتيبها في حزم متساوية،” يشرح منير لصحيفة الفداء، وهو يواصل عمله المتقن، ويضيف: “نستخدم لوحين خشبيين لضغط القش، وأداة حادة أشبه بالمنجلة لتهذيب العيدان وقص أطرافها، ثم نربط الحزمة بإحكام بوساطة خيوط أو أسلاك متينة وفق الطريقة التقليدية، قبل أن نثبت المقبض الخشبي لتصبح المكنسة جاهزة للاستخدام.”

​ويؤكد، أن العملية ليست مجرد تجميع للتقاطيع: “المكنسة قد تبدو بسيطة، لكنها تحتاج حسّاً عالياً، فالحرفي يدرك باللمس مقدار الضغط الذي يحتاجه الربط حتى لا تتفكك مع أول استخدام.”

​ذاكرة حية وارتباط بالأرض

​لم تكن هذه الصناعة مجرد وسيلة لكسب العيش، بل ارتبطت وجدانياً بأصحابها وبقصص الأرض. تؤكد الحرفية إلهام عتبة أن أجمل ما في هذه المهنة هو مراقبة التحول: “أن ترى نبتة كانت في الحقل، تتحول بين يديك إلى منتج يدخل كل بيت، فتلك متعة لا تصنعها الآلات.”.

وتضيف، أن هذه المهارة “لا تكتسب في أيام، بل تتشربها الأيدي عبر السنين بالممارسة والتلقين من الكبار.”

​خطر الاندثار

​رغم قيمتها التراثية والجمالية، تخوض مكنسة القش معركة بقاء غير متكافئة. فقد أدى زحف المنتجات البلاستيكية والأجهزة الكهربائية إلى تراجع الطلب، بالتوازي مع تناقص أعداد الحرفيين، وارتفاع تكاليف المواد الأولية والنقل، إلى جانب عزوف الشباب عن تعلّم مهنة يرونها بلا آفاق مالية مستقرة.

​ومع تغيّر أنماط الحياة، تحولت المكنسة التقليدية في معظم المنازل، من “ضرورة يومية” إلى “قطعة ديكور تراثية”.

​ كيف نحمي هذه الحرفة؟

​إن حماية هذه المهنة من الاندثار، تتطلب خطوات عملية، بداية بالتدريب والتوريث، أي تنظيم ورش عمل للشباب تحت إشراف شيخ الكار والحرفيين الكبار.

إضافة إلى التطوير والتسويق، أي إعادة تصميم المكنسة بما يتناسب مع السوق اليوم، واستغلال المنصات الرقمية للوصول إلى أسواق جديدة خارج حدود المنطقة المحلية، وتقديم دعم حكومي أو أهلي للحرفيين لضمان استمرارية إنتاجهم.

​تبقى مكنسة القش، أكثر من مجرد قش ومقبض، إنها وثيقة حية عن زمن كانت فيه علاقة الإنسان بأرضه قائمة على العطاء المتبادل، وصونها هو حماية لجزء أصيل من الذاكرة الشعبية.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار