الفداء
“كان إشعاله وضبط لهبه يحتاجان إلى خبرة ودقة لا يعرفها جيل اليوم، ولم تكن إدارة الشؤون اليومية للمنزل ممكنة بدونه”.. بهذه الكلمات يستعيد السبعيني أبو تمام، الذي يعمل في ورشة نجارة، خلال حديثه للفداء، ذكرياته مع “بابور الكاز” الذي رافقه لعقود قبل أن يتحول إلى قطعة مهجورة في زوايا البيوت.
ففي زاوية من زوايا البيوت القديمة، أو على رفوف غطاها الغبار إلى جانب أدوات طواها الزمن، يقبع البابور اليوم صامتاً بعد سنوات من الاستخدام الشاق. وما إن تقع عليه أعين أبناء الجيل الماضي حتى تستعيد الذاكرة مشاهد من زمن كانت فيه الحياة أكثر بساطة، وكانت رائحة الكاز وصوت اللهب جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل البيت اليومية.
العصب الأساسي للمنزل والمطبخ
قبل انتشار مواقد الغاز والكهرباء، كان البابور المحرك والأساس في كل بيت، ولم يقتصر دوره على الطهي، بل كان حاضراً في مختلف الأعمال المنزلية؛ فمنه تُطهى الوجبات، وعليه تُسخن مياه الغسيل، وتُعد “المونة” الشتوية التي تتطلب ساعات متواصلة من العمل.
من جانبه، يرى أبو عبدو 60 عاماً، (صاحب مطعم) أن البابور لم يكن مجرد أداة عمل داخل المطبخ، بل ارتبط برائحة البيت ودفء العائلة، ويقول: “صوت اللهب وطريقة إشعاله تفاصيل تبدو بسيطة الآن، لكنها تختزن حياة اجتماعية كاملة عشناها قبل أن تتغير ملامح الحياة بفعل التطور، ليتحول البابور من أداة مركزية إلى قطعة قديمة نحتفظ بها للذكرى”.
طقوس عائلية وذكريات صباحية
أما السبعينية أم عمار (ربة منزل)، فتستعيد مكانته في بيت أهلها وزوجها، مؤكدة أن له حكايات لا تُنسى أثناء إعداد وجبات العائلة، سيما في المناسبات والولائم التي كانت تجمع الأسرة حول مائدة واحدة، لتكمن أهميته اليوم في القصص والأثر العميق الذي تركه في الذاكرة الشعبية.
ولعل أبهى صور البابور هي تلك التي ارتبطت بالصباحات الباكرة، حيث تتذكر أم مالك (ربة منزل) والدتها وهي تشعل البابور صباحاً لتضع إبريق الشاي وتعد الفطور لها ولإخوتها قبل الذهاب إلى المدرسة.
من أداة يومية إلى تحفة تراثية
وتضيف أم مالك، “رغم اختفائه التدريجي وتحوله إلى قطعة تراثية في البيوت والمتاحف والأسواق الشعبية، إلا أن بعضهم ما زال يستعين به أحياناً في الطهي خلال العزائم الكبيرة لبركته ونكهته الخاصة التي لا تمنحها المواقد الحديثة”.
ورغم أن شعلة “بابور الكاز” انطفأت في معظم البيوت منذ سنوات، إلا أن حكايته لم تنتهِ، فما زالت رائحته وصوت لهبه حاضرين في ذاكرة من عاصروه، حاملاً بين جوانحه حكاية بيوت وأسر وزمن جميل لا يزال يعيش في الذاكرة.
#صحيفة_الفداء