بقلم: ياقوت الحموي
حين يرتكب شخص جنحة أو مخالفة يعاقب عليها القانون، وقد تكون العقوبة سالبة للحرية، فالمسألة ليست في إسقاط العقوبة أو التساهل مع مرتكبها، بل في اختيار العقوبة الأكثر تناسباً وفاعلية، وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال: هل يكون السجن هو الخيار الأنسب في كل حالة، أم يمكن لعقوبة أخرى أن تحقق الردع والمساءلة وتحمي المجتمع من دون اللجوء إليه؟
هنا تبرز «الخدمة المجتمعية» أو «العمل للمنفعة العامة» بوصفها إحدى الأدوات التي اعتمدتها أنظمة قضائية مختلفة في حالات محددة.
وهي لا تعني العفو عن المحكوم عليه، ولا تحويل العقوبة إلى عمل تطوعي، بل إلزامه بعدد محدد من ساعات العمل غير المدفوع لصالح المجتمع، تحت إشراف رسمي، مع عواقب قانونية إذا لم يلتزم.
وهذا النوع من التدابير حاضر أيضاً في المعايير الدولية، ومنها قواعد طوكيو للأمم المتحدة، التي تدعو إلى توسيع البدائل غير السالبة للحرية عندما تكون مناسبة، مع الحفاظ على التناسب وحقوق الضحية وحماية المجتمع.
وفي التصور الذي نناقشه لسوريا، لا يتعلق الأمر بالجرائم الخطيرة، وإنما ببعض الجنح والمخالفات التي يمكن أن تكون فيها العقوبة غير السالبة للحرية أكثر تناسباً، وتظهر قيمتها عندما لا يكون عزل الشخص عن المجتمع ضرورياً، بينما تبدو الغرامة وحدها غير كافية أو غير عادلة بالقدر نفسه للجميع، فالغرامة قد تثقل محدود الدخل أكثر بكثير من الميسور، والسجن القصير قد يقطع الشخص عن عمله وأسرته من دون أن يكون ذلك دائماً الخيار الأكثر فاعلية.
ألمانيا تقدم مثالاً عملياً مهماً، لكن بصورة أدق من العبارة الشائعة «العمل بدل السجن».
هناك مسارات قانونية محددة يمكن فيها استخدام العمل للمنفعة العامة، من بينها تفادي السجن البديل عن الغرامة في بعض الحالات. وتختلف طبيعة الأعمال بحسب الولاية والجهة المستقبلة.
ففي برلين، مثلاً تشمل أعمالاً في التنظيف والحدائق والمطابخ، والصيانة والأعمال اليدوية، وأعمالاً مكتبية وحاسوبية، والمساعدة في الفعاليات، وبعض الخدمات الاجتماعية مثل مساعدة كبار السن أو رعاية الحيوانات. والمبدأ أن يكون العمل غير مدفوع، قابلاً للإشراف، وخادماً لمنفعة عامة لا لربح تجاري.

أما الأردن، فيقدم نموذجاً عربياً أقرب إلى البيئة السورية. فوزارة العدل تدير نظاماً للخدمة المجتمعية بالتعاون مع وزارات وبلديات وجامعات ومؤسسات اجتماعية وبيئية وتدريبية، ويشترط في هذا النظام موافقة المحكوم عليه على أداء الخدمة المجتمعية. ومن الأعمال التي أعلنتها رسمياً: الزراعة، والنجارة، وصيانة الأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى أعمال زراعية وصيانة حدائق ومرافق. وهنا تظهر نقطة أساسية: النجاح لا يتوقف على إصدار الحكم، بل يحتاج إلى شبكة حقيقية من الجهات القادرة على استقبال المحكوم عليهم ومراقبة التنفيذ.
في سوريا، لا يتبين حتى الآن من التشريعات والمصادر الرسمية المنشورة وجود نظام عام مماثل للخدمة المجتمعية للبالغين، رغم أن النقاش القانوني السوري حول «العمل للمنفعة العامة» يعود على الأقل إلى عام 2009، وهذا يعني أن الفكرة ليست غريبة عن النقاش القانوني السوري، لكنها لم تتحول بعد إلى منظومة تشريعية وتنفيذية متكاملة.

ومن زاوية الفقه الإسلامي، لا تبدو الخدمة المجتمعية فكرة غريبة عن باب التعزير.
فدار الإفتاء الأردنية، في بحثها حول ضوابط العقوبة التعزيرية، تؤكد أن التعزير ليس عقوبة جامدة، بل يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، وما تتحقق به المصلحة.
وفي مصر، نشرت مجلة دار الإفتاء المصرية عام 2021 بحثاً بعنوان: «العقوبة بالخدمة الاجتماعية في الفقه الإسلامي»، خلص إلى أن مرونة التشريع الإسلامي وقواعده تتيح تأصيل هذا النوع من العقوبات.
وقبل ذلك، خصص عبد الرحمن الطريمان أطروحة دكتوراه في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية عام 2013 لموضوع «التعزير بالعمل للنفع العام»، تناول فيها تأصيل استخدام العمل ذي المنفعة العامة ضمن العقوبات التعزيرية وضوابطه.
وهذا يضع الخدمة المجتمعية في سياق مختلف عن فكرة «استيراد عقوبة غربية»، فهي صيغة عقابية حديثة، لكن يمكن بحثها داخل الإطار الفقهي للتعزير، مع بقاء الحدود والقصاص وحقوق الضحايا خارج هذا التعميم.
ولا ينبغي تقديم الخدمة المجتمعية باعتبارها حلاً سحرياً، الدراسات لا تثبت أن السجن القصير هو الأفضل دائماً في منع تكرار الجنح والمخالفات، كما لا تثبت أن الخدمة المجتمعية أفضل في كل حالة، المسألة تتعلق بالتناسب: أي عقوبة تحقق المساءلة وتحمي المجتمع وتراعي طبيعة الجنحة أو المخالفة وظروف مرتكبها؟
ولو طُرحت الفكرة في سوريا، فالتحدي الحقيقي لن يكون في كتابة مادة قانونية فقط، بل في تحديد الجنح والمخالفات التي يمكن أن يشملها النظام، وعدد الساعات، والجهات المستقبلة، والرقابة، وحقوق الضحية، والتعامل مع المرض والغياب، ومنع الواسطة والساعات الوهمية واستغلال العمل المجاني.
السؤال إذن ليس: كيف نخفف العقوبة؟
بل، هل تحتاج سوريا إلى أداة عقابية جدية بين الغرامة والسجن، تنفذ داخل المجتمع، وتحقق المساءلة دون أن تجعل السجن الخيار الوحيد في كل حالة؟