خطاب الكراهية: معركة على الكلمة وحدود المسؤولية

بقلم عمار أبو شاهين:

 

في بلد يحمل مجتمعه آثار سنوات من الانقسام والعنف، يمكن للكلمة أن تتجاوز حدود الرأي لتصبح عاملاً في تعميق التوتر أو أداةً للمساعدة في احتوائه، وبين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية، تبرز مسألة خطاب الكراهية باعتبارها تحدياً يمس العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية عن أثر الخطاب في المجتمع.

تكمن الخطورة في قدرة المحتوى التحريضي على تغذية الانقسام والعنف وإلحاق ضرر بالنسيج الاجتماعي السوري، ما يجعل التعامل معه قضيةً تتجاوز طبيعة الرسالة الإعلامية نفسها إلى النتائج التي قد تترتب على انتشارها وتداولها.

هذه المسؤولية لا تبدأ عند الجمهور

داخل المؤسسات الإعلامية، تشكل المهنية وطريقة صياغة الخطاب خط الدفاع الأول عند تناول القضايا الحساسة، اختيار المفردات، وبناء العناوين، وطريقة توصيف الجماعات والأحداث، عناصر يمكن أن تحدد ما إذا كانت المادة الإعلامية تقدم المعلومة أم تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في زيادة الاستقطاب.

المعيار هنا لا يقتصر على صحة المعلومات، بل يمتد إلى الالتزام بخطاب مسؤول يراعي أثر المادة المنشورة في الجمهور والمجتمع، ولهذا يرتبط الحد من خطاب الكراهية أيضاً برفع مستوى المهنية الإعلامية وترسيخ معايير أكثر انضباطاً في التعامل مع المضامين القابلة للتحريض أو الانقسام.

من غرفة الأخبار إلى شاشة الهاتف

غير أن التحول الرقمي غيّر حدود المسؤولية التقليدية، لم تعد المؤسسة الإعلامية وحدها قادرة على تحديد مسار انتشار الرسالة، فالمستخدم أصبح جزءاً من عملية النشر، سواء بإنتاج المحتوى أو إعادة مشاركته أو توسيع نطاق وصوله.

لهذا بات السلوك الفردي على الإنترنت عاملاً أساسياً في دورة انتشار المحتوى التحريضي.

الضغط على زر المشاركة، مثلاً، قد ينقل مادةً من نطاق محدود إلى جمهور أكبر، حتى عندما لا يكون من يعيد نشرها هو صاحب الرسالة الأصلية.

الحد من تداول هذا النوع من المحتوى يعتمد، في هذا السياق، على تعزيز السلوك المسؤول على المنصات الرقمية وتقليل إعادة نشر الرسائل التي تحمل مضموناً تحريضياً.

وتطرح هذه البيئة سؤالاً أوسع حول معنى المسؤولية الرقمية: هل يكفي الامتناع عن كتابة خطاب تحريضي، أم أن المسؤولية تشمل أيضاً طريقة التفاعل معه؟

الإجابة ترتبط بطبيعة المنصات نفسها فالتفاعل والمشاركة لا ينقلان المحتوى فقط، بل يمنحانه انتشاراً إضافياً، وهو ما يجعل الجمهور طرفاً في منظومة الاتصال لا مجرد متلقٍ لها.

حين يغادر الخطاب الشاشة

تأثير خطاب الكراهية لا يتوقف بالضرورة عند الفضاء الإعلامي أو الرقمي، عندما يستهدف الانتماءات والهويات أو يرسخ التفرقة بين الجماعات، يصبح أثره مرتبطاً مباشرةً بمستوى الثقة والتعايش داخل المجتمع.

في الحالة السورية، تكتسب هذه المسألة حساسيةً إضافيةً بسبب ارتباطها بالتماسك بين مكونات المجتمع وبقدرتها على الحفاظ على الروابط المشتركة بعيداً عن خطاب الانقسام، وتعزيز قيم التعايش والوحدة يبرز في هذا الإطار، بوصفه نقيضاً مباشراً للخطاب الذي يقوم على الإقصاء والكراهية.

المخاطر تصبح أشد حين يتحول التحريض إلى مدخل لإعادة إنتاج العنف الطائفي أو ترسيخ الانقسام على أساس الهوية، عند تلك النقطة، لا تعود القضية مرتبطةً بنبرة خطابية حادة فحسب، بل بحماية النسيج الوطني من مضامين قد تدفع نحو التفرقة والكراهية.

مسؤولية موزعة لا مركز واحد لها

يصعب، في البيئة الإعلامية الحالية، حصر المسؤولية في جهة واحدة، الصحفي مسؤول عن اللغة والسياق، والمؤسسة الإعلامية مسؤولة عن معايير النشر، وصانع المحتوى مسؤول عما يقدمه إلى جمهوره، بينما يمتلك المستخدم بدوره قرار المشاركة أو الامتناع عنها.

بهذا المعنى، تصبح مواجهة خطاب الكراهية عمليةً تبدأ قبل النشر وتستمر بعده، فهي تبدأ من صياغة المادة واختيار مفرداتها، ثم تنتقل إلى آليات توزيعها، قبل أن تصل إلى الطريقة التي يستقبلها بها الجمهور ويتفاعل معها.

المعادلة أكثر تعقيداً من مجرد حذف منشور مسيء أو رفض عبارة تحريضية، القضية تتعلق ببناء ثقافة اتصال تدرك أن حرية التعبير لا تنفصل عن أثر الكلمة، وأن المهنية الإعلامية ليست مسألة تقنية فقط، بل جزءاً من المسؤولية الاجتماعية للإعلام.

في مجتمع يسعى إلى حماية تماسكه، قد تكون المسافة بين الاختلاف والتحريض أقصر مما تبدو، ولهذا تصبح طريقة استخدام الكلمة، ونشرها، وإعادة تداولها جزءاً من سؤال أكبر: أي نوع من المجال العام يريد السوريون أن تبنيه وسائل إعلامهم ومنصاتهم الرقمية.

 

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار