واقع تربية الأبقار في حماة.. هل يغطي سعر الحليب كلفة الإنتاج؟

الفداء 

يعاني مربو الأبقار في محافظة حماة من ارتفاع متواصل في تكاليف التربية، تتصدرها أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية والمحروقات، فضلاً عن تكاليف نقل الحليب إلى الأسواق.

وتضع هذه الأعباء المربين أمام خيارات معقدة، دفعت بعضهم حسب ماكشفوه خلال حديثهم مع صحيفة الفداء، إلى الاستغناء عن جزء من قطعانهم بالبيع لتأمين نفقات تربية واستمرار ما تبقى منها.

وتتراوح كلفة التغذية اليومية للرأس الواحد، وفق الأرقام الواردة بين 60 و80 ألف ليرة سورية قديمة، مقابل إنتاج وسطي يتراوح بين 10 و15 كيلوغراماً من الحليب يومياً.

لكن هذه الكلفة لا تمثل سوى جزء من النفقات، إذ تضاف إليها مصاريف النقل والمحروقات والمياه والأدوية البيطرية، فضلاً عن تكاليف العلاج والتلقيح والرعاية الدورية.

تقلبات الأسعار وتفاوت الأرباح

تشهد أسعار الحليب تبدلات مستمرة وتفاوتاً ملحوظاً بين المنتج والمستهلك، إذ يشتري التجار والوسطاء الكيلوغرام الواحد من المربي بسعر يتراوح بين 4 آلاف و6 آلاف ليرة سورية، بينما يُباع للمواطن في المحال والدكاكين بسعر يتراوح بين 7.5 و8 آلاف ليرة سورية، ما يعكس الفجوة الواضحة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع النهائي.

وفي هذا السياق، يشير المربي نبيل إبراهيم إلى أن سعر الحليب ارتفع، لكن سعر العلف ارتفع أيضاً، وما يحصل عليه المربي من بيع الحليب يذهب جزء كبير منه لتأمين العلف، مؤكداً أن التوقف عن إطعام الأبقار غير ممكن وإلا انخفض إنتاج الحليب وتفاقمت الخسائر.

ولا تقتصر المشكلة على تأمين العلف، بل تمتد إلى تكاليف نقله وتأمين مستلزمات الإنتاج في ظل ارتفاع أسعار المحروقات.

وتوضح المربية دلال العلي أن المحروقات أصبحت عبئاً إضافياً، فالعلف والحليب يحتاجان إلى النقل، وأي زيادة في أجور النقل تنعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، لافتة إلى شعور المربين أحياناً بأنهم يبيعون الحليب فقط لتأمين العلف.

ولا تتوقف تكاليف تربية الأبقار عند الغذاء والنقل، فالأمراض والعلاجات البيطرية تفرض نفقات إضافية، كما أن انخفاض إنتاج الحليب أو توقفه خلال فترة المرض يزيد من صعوبة تعويض المصاريف.

ويشير المربي مراد خضور إلى أن البقرة ليست علفاً فقط، فهناك أدوية وتلقيح وعلاج ومياه ورعاية، وإذا مرض رأس واحد فقد يخسر المربي جزءاً من إنتاجه ويضطر في الوقت نفسه لدفع مبالغ إضافية للعلاج.

ولتوضيح الفارق بين الإيرادات والربح الفعلي، يمكن احتساب عائد بقرة تنتج 15 كيلوغراماً من الحليب يومياً بافتراض بيع الكيلوغرام بسعر 100 ليرة سورية، لتبلغ الإيرادات اليومية 1500 ليرة، بينما تنخفض إلى 1000 ليرة، إذا تراجع الإنتاج إلى 10 كيلوغرامات يومياً.

غير أن هذه المبالغ لا تمثل صافي الربح، إذ ينبغي حسم تكاليف التغذية والنقل والمحروقات والأدوية والمياه والعمالة وغيرها. كما أن انخفاض الإنتاج لا يعني انخفاض النفقات بالنسبة نفسها، فالأبقار تحتاج إلى التغذية والرعاية حتى عندما يتراجع إنتاجها.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية التي يواجهها المربون: ارتفاع الإيرادات الناتجة عن بيع الحليب لا يعني بالضرورة ارتفاع الأرباح، ما لم يكن الفارق بين سعر البيع وتكاليف الإنتاج كافياً لتغطية النفقات وتحقيق هامش ربح.

المواطن يدفع ثمن ارتفاع التكاليف

تنتقل آثار ارتفاع تكاليف الإنتاج من الحظائر إلى الأسواق، حيث يجد المستهلك نفسه أمام أسعار مرتفعة للألبان والأجبان، ما يدفع بعض الأسر إلى تقليص مشترياتها أو الاستغناء عن بعض المنتجات. وبحسب جولة رصد أسعار قامت بها الفداء، وصل سعر كيلو لبن البقر إلى نحو 100 ليرة سورية جديدة، فيما تراوح سعر كيلو الجبن بين 400 و450 ليرة جديدة.

ومع ارتفاع الأسعار، لم تعد منتجات الحليب حاضرة بالكميات نفسها على موائد بعض الأسر، بل بات شراؤها مرتبطاً بالقدرة على التوفيق بين الاحتياجات الغذائية والدخل المحدود.

تقول المواطنة دلال غانم: “كنا نشتري الحليب واللبن بشكل شبه يومي، أما اليوم فنشتري كميات أقل ونحاول الاقتصار على الضروري، لأن أسعار الألبان أصبحت عبئاً على ميزانية الأسرة”.

وهكذا يجد المربي والمستهلك نفسيهما أمام طرفي معادلة واحدة، فالأول يسعى إلى تغطية تكاليف الإنتاج والحفاظ على قطيعه، فيما يحاول الثاني تأمين احتياجات أسرته بأسعار تتناسب مع إمكاناته.

ويبقى التأكيد أن الحكم على ربحية تربية الأبقار لا يتم من خلال سعر كيلو الحليب وحده، بل يتطلب احتساب إجمالي الإيرادات ومقارنتها بمجموع تكاليف الإنتاج والرعاية.

وفي ظل الارتفاع المستمر لأسعار الأعلاف والمحروقات والأدوية البيطرية، يظل استمرار المربي مرتبطاً بقدرته على تحقيق عائد يغطي نفقاته ويضمن هامشاً مناسباً للاستمرار.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار