الفداء_ ناديا المير محمود
بعد كلّ ما عاشه السوريون من ألمٍ وتشظٍّ، بات سؤال العدالة الانتقالية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. كيف سيبنون سلاماً حقيقيا لا يقوم على النسيان، بل على الاعتراف؟
لأنّ العدالة التي تحتاجها سوريا اليوم تتمحور حول استعادة الثقة بين الناس ووطنهم، وليس الانتقام مما مضى.
في الجوهر، يتجسد معنى العدالة كمشروعٍ أخلاقي قبل أن تكون إجراءً قانونياً، فالمحاكم وحدها لا تُجري المصالحة قبل أن تتصافى وتتصالح القلوب والأفكار بعد إنصافها. أي لا تدور حول الجاني والضحية فقط، بل تطول السوري وظلّه، بين ماضٍ ووجوب عدم تكراره.
طريقٌ طويل لا معجزة سريعة
العدالة الانتقالية ليست لحظة نصرٍ فقط، بل مسارٌ طويلٌ مليئ بالعقبات. في جنوب إفريقيا مثلاً، احتاجت لجنة الحقيقة والمصالحة إلى سنواتٍ كي تنهي عملها، مع حالة جدلٍ حول مدى كفاءة ما حققته.
في سوريا، ربما سيكون الطريق أطول وأكثر تعقيدا، فالتوقعات تفوق الإمكانيات. غالبية السوريين يريدون محاكماتٍ عاجلة وتعويضات فورية وضمانات لعدم تكرار المأساة. لكن كما قالت الفيلسوفة حنّة آرندت: “العدالة لا تقاس بسرعة تحققها، بل بقدرتها على إعادة البشر إلى الفضاء العام كمواطنين متساوين”.
وهذا هو فحوى العدالة التي نريدها: إعادة مكانة الإنسان، لا استبدال قهرٍ بآخر جديد.
النّساء في قلب العدالة
خلال الثورة السورية، حملت السوريات أثقالًا لا تُقاس. فقدن الأولاد والأبناء والإخوة، وتولين إعالة الأسر، ووقفن وجهاً لوجه أمام اللجوء والنزوح والحرمان. ومع ذلك، حاولن ترميم النسيج الاجتماعي عبر مبادراتٍ محلية تعليمية وإنسانية، أي لم يكنّ كائناتٍ جامدة.
من هنا، وجب التعامل معهن كركيزةٍ أساسية في تصميم العدالة الانتقالية وتنفيذها. فكما قالت الكاتبة بيل هوكس: “العدالة لا تتحقق إذا لم نضع الهامشي في المركز”. أي حين يتم الإصغاء إلى أصواتهن، تصبح العدالة أكثر قدرةً على الشفاء، لأنها تسمع النصف الصامت من الحكاية.
الثقافة بين العائق والجسر
لا يجوز الحديث عن سلامٍ مستدام دون مراجعة جذريةٍ للثقافة الاجتماعية التي غذت العنف. فحين يربى الطفل على الطاعة العمياء، لن يجد غرابةً في الخضوع للسلطة السياسية. وحين يقوم مجتمعٌ على فكرة الثأر، يصبح القصاص بديلاً عن العدالة.
لكن في المقابل، يمكن لتقاليدنا نفسها أن تكون جسراً نحو السلام، إذا أعدنا قراءتها بنفسٍ جديد. قيمٌ يحملها السوري مثل “الصلح” و”النخوة” و”الجيرة” يمكن أن تتحول إلى أدوات للمصالحة وإعادة بناء الثقة.
المعركة ليست ضد العادات، بل ضدّ تأويلها الذي جعلها تشرّع السيطرة عوضاُ عن الكرامة.
من الصّمت إلى الاعتراف
ملايين السوريين يعيشون ما يمكن إن صحّ تسميته “ذاكرة الصمت”، أصواتٌ غير مسموعة، وحقائق لم تروَ. لكن السّكوت لا يبنى عليه حاضرٌ ولا مستقبل، بل يؤجل الانفجار.
وعليه، فالأفضل هو السير في سكة الاعتراف، لا في سكة الإنكار.
الاعتراف بالضحايا، وبالآلام، وبالمسؤوليات، هو أول العدالة الممكنة، وهو الخطوة التي تفتح الباب أمام مصالحةٍ لا تقوم على الشعارات، بل على الصدق.
النساء هنا لسن فقط شهوداً على الوجع، بل حاملاتٍ لذاكرة الوطن. إنهنّ القادراتُ على تحويل الجراح إلى جسور، والوجع إلى حكاياتٍ تحفظ الذاكرة وتمنع تكرار المأساة.
العدالة كعقدٍ اجتماعيٍّ جديد
العدالة الانتقالية في سوريا ليست مجرد ملفٍّ سياسي، بل بدايةً لعقدٍ اجتماعي جديد.
عقدٌ يقوم على المساواة والكرامة، وعلى إيمانٍ بسيط بأن “لا حرية بدون مساواة، ولا مساواة بدون عدالة”.
فالعدالة التي تبدأ من الإنسان، من اعترافه وهشاشته، هي وحدها القادرة على إعادة بناء سوريا التي نحلم بها: دولة القانون، وبيت الجميع.