الفداء _ نسرين سليمان
بين لهب الحطب ورائحة الخميرة، تقف أم محمد منذ خمس سنوات أمام تنورها، لا لتصنع رغيفاً فحسب، بل لتبني جسراً يمر بأسرتها نحو الأمان المادي.
بدأت رحلتها حسب ما قالت لصحيفة الفداء: ببحثٍ مضنٍ عن مصدر دخل يتطلب رأس مال بسيط، يعين زوجها على مواجهة تكاليف المعيشة المرهقة.
ومن ربحٍ متواضع وإتقانٍ لافت، تحول منزلها الواقع على الطريق السياحي بين مصياف ومشتى الحلو إلى وجهة يقصدها الزوار من كل حدب وصوب.
وفي وهج الصيف، يتحول العمل إلى تجمع عائلي حيث يشاركها زوجها وابنها لتلبية الطلبات، بعد أن تجاوزت علاقتها بالمهنة حدود الحاجة المادية لتصبح شغفاً وشعوراً بالإنجاز وتوسعاً مرتقباً يمتد قريباً إلى عالم المناقيش بأنواعها.
أصالة تتوارثها الأجيال
في زاوية أخرى من هذا التراث، تتحدث سلمى لصحيفة الفداء، ورثت سر الصنعة عن والدتها، وتصر على توريثها لابنتها، فالتنور بالنسبة لها ليس مجرد فرن، بل هو هوية الريف السوري التي يجب أن تُحمى من الاندثار.
وتؤكد على ضرورة تعريف الأجيال بطقوس هذه الحرفة التي تتغنى بالتراث وتجسد روح الضيعة، خاصة أنها تعتمد على أدوات بسيطة ومواد أولية متوفرة.
كما تلفت إلى أن الطلب يزداد بوضوح في شهر رمضان المبارك، كون خبز التنور خياراً صحياً نقياً من الزيوت والسكر، يكتسب نكهته الفريدة من نضج النار.
ذاكرة الطفولة واللمة
وعلى مقربة من الدخان المتصاعد، ينتظر العم أبو مصطفى دوره للظفر برغيف ساخن، معتبراً أن لهذا الخبز طقوساً مقدسة. يقول: إنه لا يتخيل فطور يوم الجمعة دون لمة العائلة حول خبز التنور الذي يوقظ في الروح ذكريات الطفولة البعيدة.
ورغم سطوة الآلات الحديثة، يرى أبو مصطفى، أن التنور ما زال يحتفظ بسحره الخاص، ورائحته الزكية التي تملأ الوجدان قبل المكان.
ملتقى المحبة ومصدر العيش
قديماً، كان التنور بمثابة مناسبة يلتف الأهالي حوله لتبادل الحكايات والمودة. واليوم، يعيد التاريخ نفسه بصورة عصرية، إذ تحول هذا المكان إلى ملاذ يفوح برائحة الماضي، ومصدر رزق كريم يفتح بيوتاً كثيرة.
#صحيفة_الفداء