شهدت عدة مدن سورية خلال الأيام الماضية، ازدحاماً كبيراً أمام محطات الوقود، بعد انتشار شائعات على وسائل التواصل الاجتماعي، عن احتمال حدوث نقص في المشتقات النفطية.
ومع أن وزارة الطاقة، نفت وجود أي نقص، وأكدت استمرار عمل المصافي، وتوافر المخزون ضمن الحدود الآمنة، إلا أن موجة القلق دفعت آلاف المواطنين إلى التوجه سريعاً للمحطات.
هذه الاستجابة الجماعية، رفعت الطلب إلى مستويات غير مسبوقة، حيث أشارت الوزارة إلى أن المبيعات تجاوزت 300% من المعدل الطبيعي خلال ساعات قليلة. هكذا تحولت إشاعة غير مؤكدة إلى أزمة واقعية على الأرض، ليس بسبب نقص فعلي في الوقود، بل بسبب الخوف من حدوثه.
لماذا تنتشر الإشاعة أسرع من الحقيقة؟
تفسّر دراسات أكاديمية، سبب هذا السلوك. فقد أظهرت دراسة شهيرة لعلماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، نُشرت عام 2018 في مجلة Science، أن الأخبار الكاذبة تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أسرع بكثير من الأخبار الصحيحة، إذ وُجد أنها تنتشر بنسبة تصل إلى نحو 70٪ أسرع من المعلومات الحقيقية.
ويرجع الباحثون ذلك، إلى أن الأخبار المضللة غالباً ما تكون مصاغة بطريقة مثيرة، أو صادمة، أو مرتبطة بالخوف والقلق، ما يجعلها أكثر قابلية للمشاركة. بمعنى آخر، عندما تمس الإشاعة مخاوف الناس اليومية، مثل الوقود أو الغذاء، فإنها تجد طريقها سريعاً إلى الانتشار، حتى قبل أن تظهر أية معلومات رسمية.
إرث فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات
لكن انتشار الإشاعة في سوريا، لا يمكن فهمه فقط من زاوية وسائل التواصل الاجتماعي. فسنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية والحرب، إضافة إلى تآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية خلال حقبة النظام البائد، جعلت شريحة واسعة من السوريين، تميل إلى تصديق الأخبار غير المؤكدة، أو التصرف على أساس “الأسوأ قادم”.
في مثل هذا المناخ، لا تحتاج الإشاعة إلى دليل قوي كي تنتشر، يكفي أن تلامس شعوراً متراكماً بعدم اليقين. لذلك يصبح سلوك التهافت على السلع أو الوقود، رد فعل نفسياً جماعياً أكثر منه قراراً عقلانياً مبنياً على معلومات موثوقة.
الطريق إلى كسر حلقة الشائعات
التعامل مع هذه الظاهرة، لا يقتصر على نفي الشائعة بعد انتشارها، بل يتطلب إعادة بناء الثقة بين المواطن والجهات الرسمية. الشفافية المستمرة، سرعة نشر المعلومات، وتقديم بيانات واضحة ومدعومة بالأرقام يمكن أن تقلل من مساحة الشك.
وفي المقابل، يلعب الإعلام المهني دوراً محورياً في التحقق من الأخبار قبل نشرها، وتقديم تفسير علمي للظواهر التي تبدو للوهلة الأولى أزمات مفاجئة.
فالمجتمعات التي تمتلك مصادر موثوقة للمعلومات، تكون أقل عرضة للهلع الجماعي. وفي بلد مثل سوريا، حيث ما زالت الذاكرة الجماعية مثقلة بالتجارب الصعبة، فإن استعادة هذه الثقة، ليست مهمة إعلامية فقط، بل خطوة ضرورية لحماية المجتمع من أزمات تصنعها الإشاعة قبل الواقع.
#صحيفة_الفداء