الفداء ـ ازدهار صقور
ليست مجرد صخور صماء نحتتها الطبيعة، بل هي “خزائن زمنية” موصدة، تروي حكاية حضارة استوطنت أعالي الجبال وطوعت الحجر ليكون بيتاً للأبدية.
إنها “النواغيص” الأثرية، تلك المدافن الفينيقية التي تنتشر في قرى ريف مصياف، كقرية الحيلونة ووادي العيون، وصولاً إلى قلعة مصياف التاريخية، حيث تقف اليوم كشواهد حية تعود لأكثر من 2500 عام، محفورة بدقة متناهية داخل الصخور الكلسية في المناطق المرتفعة.
هندسة المدافن وخصوصية “الوجهاء”
تتميز هذه النواغيص، بأنها كانت تُستخدم كمدافن عائلية تضم غالباً أكثر من قبر، ولها أبواب وأقفال صخرية محكمة تجعلها تبدو من الخارج وكأنها جزء لا يتجزأ من الجبل، وذلك صيانةً لحرمة “وجهاء المجتمع” وعائلاتهم الذين كانوا يُدفنون فيها مع كامل مقتنياتهم الشخصية وثمينة.
“الحيلونة”.. طبيعة قاسية ومعالم تاريخية غامضة
تقع قرية “الحيلونة” في منطقة مصياف على الطريق الواصل إلى القدموس وبانياس، وهي قرية تحيط بها الجبال وتتميز بطبيعتها الجبلية القاسية التي تركت معالم واضحة عن حياة قديمة على أرضها.
والأهم من ذلك هو الآثار التي تقع على أحد جبالها وتدعى “جليلين”، وهي عبارة عن نواغيص أثرية تحتوي على مدافن منحوتة بالصخر ومغلقة بقطع كبيرة من الحجر.
وتختلف أحجام هذه المدافن، ما قد يكون دلالة على العمر أو الغنى، حيث يُعتقد أنها تعود لعائلات مالكة أو غنية كانت تضع جميع ممتلكاتها من مجوهرات وأشياء ثمينة داخل هذه الغرف الصخرية الموصدة.
ذاكرة الأهالي: رحلة شاقة وكنوز منهوبة
ونظراً لقلة المعلومات الرسمية، استعنا بما يرويه أهالي المنطقة، حيث يجمعون على أن هذه “النواغيص” تعود لأكثر من 2500 سنة. ويروي أحد سكان القرية لجريدة “الفداء” ذكرياته قائلاً: “منذ كنا أطفالاً كان أجدادنا يحدثوننا عن منطقة جليلين وما تحويه، حيث كانوا يجدون بعض القطع النقدية القديمة وبقايا فخار مكسور ملقى جانبها”.
ويضيف واصفاً صعوبة الوصول إليها: “لقد زرناها حين كنا فتيان، ولا يوجد طريق للسيارات يصل إلى تلك النقطة، وعلى الزائر أن يقطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام وسط وعورة الجبال للوصول إليها. ويُعتقد أنه تم تفتيشها ونهب ما وجد فيها من مجوهرات أو نقود منذ زمن طويل”.
صرخة لإنقاذ الإرث المنسي
إن هذه الآثار، رغم قدمها وعراقتها التي تسبق عمر قرية الحيلونة (المقدر بحوالي 400 عام) بآلاف السنين، تظل اليوم بحاجة ماسة لمن يسلط الضوء عليها ويحميها من الإهمال والتخريب.
إن تأمين طرق الوصول إليها ودراستها علمياً سيجعلها بلا شك مصدر جذب للسياحة ولعلماء الآثار الراغبين في فك أسرار هذه الحضارة الفينيقية المخفية في جبال مصياف.
#صحيفة_الفداء