الفداء _ أحمد العلي
مع دخول سوريا مرحلة جديدة بعد عقود من الانتهاكات التي ارتكبها النظام البائد، تبرز العدالة الانتقالية كمسار وطني لكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، بما يعزز سيادة القانون والمصالحة الوطنية ويؤسس لمستقبل أكثر عدالة واستقراراً، تصان فيه الحقوق والحريات.
وتكتسب العدالة الانتقالية أهمية محورية في معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة وإدارة المرحلة نحو الانتقال إلى دولة المؤسسات، وهو ما يحول دون العودة إلى الانتهاكات والممارسات المرتبطة بالنظام البائد، كما تشكل أساساً لبناء دولة حديثة في سوريا تقوم على العدالة والمواطنة والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية.
وشهدت الأيام الفائتة مظاهرات في عدة مناطق سورية، طالب المشاركون فيها بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات حكم النظام المخلوع، وتفعيل مسار العدالة الانتقالية، وملاحقة المتورطين وتقديمهم إلى القضاء.
كما أكدوا ضرورة عدم السماح بدخول من وصفوهم بـ”فلول النظام” إلى المحافظة، مشددين على تمسكهم بمبدأ المحاسبة.
وإن الاحتجاجات في هذه المرحلة ليست مستغربة، إذ تشهد المجتمعات الخارجة من النزاعات أو الأنظمة السلطوية مطالب متزايدة بكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، وإن هذه المطالب مشروعة، لكن تحقيق العدالة يجب أن يتم عبر القضاء وسيادة القانون، لا من خلال الثأر أو المحاسبة الفردية.
وأوضح الباحث والمحلل السياسي علي تمي لصحيفة الفداء، إن مفهوم العدالة الانتقالية يعني ملاحقة كل شخص أو جماعة تورطت في قتل أو تعذيب أو تهجير للشعب السوري وتورطت في أعمال انتقامية مباشرة، فمفهوم العدالة يعني تحقيق العدالة للضحايا خلال سنوات الحرب.
وأضاف: “نعم من الواضح أن هناك حالة احتقان شعبي، وخاصة أن هناك وسائل إعلام تدفع باتجاه التجييش الطائفي، وبالتالي نحتاج إلى عودة العقل والحكمة لإدارة هذا الملف، فالانتقادات الشخصية بعيداً عن مؤسسات الدولة تدفع باتجاه إثارة الفوضى والبلبلة داخل البلد وهذا ما يريدونه بالأصل تحقيقه، لذلك يجب العودة للقضاء السوري وخاصة لجنة العدالة الانتقالية لرفع الدعاوى ضد كل من تورط في انتهاكات جسيمة”.
ودعا “تمي” الشعب السوري إلى الحكمة والهدوء وعدم تجاوز مؤسسات الدولة حتى لا يتم استغلال هذه الأحداث لصالح الأجندات الخارجية، مشيراً إلى أن “ملف العدالة الانتقالية معقد بحاجة إلى دراسة معمقة، ونتمنى أن يشمل هذا الملف قيادات ‘قسد’ أيضاً مع الوقت، الذين تورطوا في خطف الأطفال والانتهاكات بحق الناشطين خلال السنوات الماضية”.
وأشار إلى أن “إثارة البلبلة داخل البلد تعني أنك توجه رسالة سلبية للخارج بعدم الاستثمار داخل سوريا وأنه لا يوجد أمان واستقرار فيها”، منوهاً بأن “من حق ضحايا الحرب ملاحقة الجلادين لكن تحت سقف القانون”.
وأوضح أن هناك تحديات كبيرة في الملف أهمها الكم الهائل من مرتكبي الجرائم، وإن الدولة تحاول فتح هذا الملف على مراحل حتى لا ينعكس سلباً على السلم الأهلي والتعايش المشترك، إضافة إلى وضع سوريا تحت الرصد الخارجي، مما يستدعي الهدوء والتريث.
وأضاف الباحث أن الدولة اليوم بحاجة إلى أشخاص أقوياء ولديهم خبرة في إدارة الملفات الاجتماعية وخاصة ملف السلم الأهلي، موضحاً أن هذه المواضيع لا يمكن لمؤسسات الدولة الانفراد بها لأننا نتحدث عن سلم مجتمعي عام.
وأشار إلى أن تجاوز هذا الانقسام يتم من خلال اعتماد الدولة على الكوادر وقادة المجتمع وتخصيص لجان فرعية في كل مدينة وبلدة وقرية، مؤكداً أن للمجتمع المدني دوراً كبيراً في تعزيز المصالحة إن تم وضعه في مساره الصحيح، ومحذراً من أنه إذا لم يتم ذلك سيؤدي لترك باب الصراعات على مصراعيه.
وختم تمي تصريحاته بالقول: “العدالة الانتقالية بحاجة إلى أشخاص أقوياء وصارمين لإدارة هذا الملف، وأي ضعف في هذه اللجنة وعدم القيام بمهامها ينعكس سلباً على السلم الاجتماعي مباشرة”، مؤكداً أن سوريا ذاهبة في الطريق الصحيح، مع وجود ضعف في خبرة دولة المؤسسات، وهو ما يتطلب مراجعة حتى يتم وضعها في مسارها الصحيح.
ختاماً، تؤكد وزارتا العدل والداخلية في بيانين منفصلين أن تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم مسؤولية تتولاها الدولة عبر مؤسساتها المختصة، مشددتين على أنهما لن تتهاونا بحق أي شخص يثبت تورطه في سفك الدماء أو ارتكاب الانتهاكات، كما دعتا المواطنين إلى ضبط النفس وعدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون.
#صحيفة_الفداء