الفداء _ رشا حسانه
في منزل “علياء الأحمد”، لا يمرّ يومٌ دون أن تسمع طفلها كرم (6 سنوات) يتحدث بعبارات تبدو “أكبر من عمره”.
وتكشف علياء لـ “الفداء” قائلة: “بات كرم يستخدم أحياناً أساليب لغوية مثل: (سأذهب الآن)، و(هل أنت مستعد يا صديقي؟)، وهي لغة تختلف تماماً عن لهجتنا المحكية في المنزل”.
هذه الحالة التي رصدتها “الفداء” ليست استثناءً، إذ باتت تتردد في أروقة العديد من المنازل السورية، حيث يؤكد عدد من الأهالي أنهم يلاحظون تحولاً لافتاً في نبرة أطفالهم، الذين بدأوا يغردون بكلمات من اللغة العربية الفصحى المستمدة من برامج الرسوم المتحركة.
فهل سبق أن سمعت طفلاً يطلب الماء بعبارة: “أنا عطشان، هل يمكنك إعطائي كوباً؟” قد تبدو المفاجأة هي رد فعلك الأول، لكن الحقيقة أن شاشة التلفاز أصبحت اليوم “المعلم الخفي” في غرف المعيشة، وأداةً أساسية في تشكيل قاموس الطفل اللغوي، متجاوزة في أحيان كثيرة دور الحكايات التقليدية.
شاشةٌ تشكل قاموس الصغار
من جهتها، ترى راما والدة الطفل مصطفى (3 سنوات)، أن ما يحدث هو أداة تطوير لغوية مبكرة بامتياز. وتشير راما لـ “الفداء” إلى أن المحتوى الذي يتناول الحيوانات والأشكال والأرقام أسهم بشكل واضح في تطوير مفردات طفلها وتحسين نطقه.
وتضيف: “أحرص على شرح الكلمات الجديدة لطفلي وتطبيقها في حياتنا اليومية، فمثل هذه البرامج تساعد في توسيع حصيلته اللغوية وتعزز لغته الأم، كما تسهم في ترسيخ النطق السليم وتسهيل عملية التعلم لاحقاً”.
فخ اللهجات.. حين تغدو الشاشة معلماً
الأستاذ مصطفى بوداقجي، مدير مركز تعليمي، يضع يده على التحدي الأكبر، فقد أجرى مقارنة بين قناتين متخصصتين في برامج الأطفال لرصد أثر المحتوى على النطق السليم. ويوضح بوداقجي أن الطفل في سنواته الأولى يعتمد بشكل كلي على “الاستماع والمحاكاة” لاكتساب مهاراته اللغوية.
ويحذر بوداقجي من نقطة جوهرية قائلاً: “إن عدم ثبات المحتوى على لهجة واحدة، والتنقل المستمر بين لهجات وأساليب لغوية متباينة، قد ينعكس سلباً على طريقة نطق الطفل وتكوينه اللغوي، مما يؤدي إلى نوع من التداخل اللغوي الذي يربك عملية اكتساب اللغة بشكل سليم ومستقر”.
كما يشدد بوداقجي على أن تعزيز اللغة لا يقتصر على التعليم المباشر، بل يبدأ من حسن اختيار المحتوى الإعلامي ومتابعته بشكل مستمر، مؤكداً أهمية توجيه الأطفال نحو المواد الهادفة التي تثري حصيلتهم اللغوية والقيمية، مع ضرورة الابتعاد عن البرامج التي تتضمن مشاهد عنف أو سلوكيات سلبية قد تترك أثراً في نموهم النفسي واللغوي وتنصبّ في سلوكهم اليومي.
المسؤولية الأسرية.. ميزان الترفيه والتعليم
تتفق الأمهات والمختصون في النهاية على أن الشاشة، مهما كانت متطورة، لا يمكن أن تحل محل دور الأسرةوالاستفادة الحقيقية تتحقق عندما يوازن الأهل بين الترفيه والتعليم في حياة أطفالهم، بحيث لا تتحول البرامج الكرتونية إلى أداة ضغط عليهم، بل تصبح وسيلة ترفيهية ذكية.
يكمن جوهر الدور الأسري في المراقبة التفاعلية فبدلاً من ترك الطفل وحيداً أمام الشاشة، يتوجب على الأهالي مشاركته المشاهدة، وتوجيه ما يتابعه، والحرص على اختيار البرامج التي تعزز الفصحى، ثم ربط تلك المكتسبات اللغوية بالحوار اليومي في المنزل لترسيخ الفائدة.
وهكذا، تظل البرامج الكرتونية فرصةً ثمينة لتعزيز الفصحى إذا ما ضُبطت بمعايير أسرية واعية، ليصبح الطفل قادراً على الموازنة بين جمال الفصحى ولهجته الدارجة، في رحلة نمو لغوي متوازن يجعل من اللغة جزءاً لا يتجزأ من هويته اليومية.
#صحيفة_الفداء