تجليات الميتاسرد في مجموعة ( قرط خدوج) للقاص محمد عزوز

الياس2 629a2

بداية أود التأكيد أن قصص هذه المجموعة إبداعات تصور مآس مفجعة ، أبطالها ضحايا يرزحون تحت وطأة نير الأعراف الاجتماعية البالية أو العلاقات الإنسانية التي حادت عن مسارها ففقدت معناها . بيد أننا في عجالتنا هذه سنلقي الأضواء النقدية على تجليات الميتاسرد في نماذج مختارة من هذه القصص القصيرة .

يندرج الميتاسرد أو الميتاقص ضمن إطار النقد الأدبي التطبيقي الحداثوي ، الذي يضع النص الأدبي نصب عينيه ، فيوظف آلياته القرائية التي تتبدى في ظلال مفردات الكتابة والقراءة والأوراق التي تحفل بتلك المفردات أو الكلمات ، فتتجلى عناصر النص مكوناته ووظيفته ومبدعه الذي بنى عمرانه بخياله الخصب .
ففي فاتحة هذه القصص ( أعواد المشانق ) تبدو الوثيقة بحكم الإعدام بوصفها ورقة أو علامة سيميائية ذات طاقة قرائية ، فهي تتضمن حكماً بالإعدام على مجرم أدانته المحكمة بجرائم لا تحصى .. (1) وتتمثل أهمية هذه الورقة وتغدو محور هذه القصة برمتها حين يخرجها أحد الجلادين من جيبه ، فتحتل مركز الصدارة ، إذ تصبح محط اهتمام الحشود التي توافدت تباعاً لتسمع مضمون هذه الورقة القضائية وتشهد تنفيذها : ( يتدافع الناس على جانبي الطريق الذي نصبت عليه أعواد المشانق ، يستطيع من كان في المقدمة منهم ، أن يرى رجلاً معصوب العينين وقد تجمع حوله ثلة من الجلادين ، يتصايحون فتختلط أصواتهم بأصوات الحشد ، ينبري أحدهم فيخرج ورقة من جيبه ، يقرأ بصوت لا يسمعه الاخرون ، يتقدم نحو معصوب العينين ، يزيل العصابة عن عينيه ويلقيها أرضاً ) ص (5) .
أجل ، لم تسمع تلك الحشود فحوى هذا الصك القضائي ، لأن أديبنا محمد عزوز يتجنب ظاهرة الحشو والإطناب ، فهو يعي أن القارئ المتأمل قد قرأ محتوى هذه الورقة في مستهل هذه القصة : ( أما الموت فاعتبرته رحمة يجب أن يحرم منها المجرم ، وقررت أنه يجب أن يعيش ليشنق ، ثم يعيش ليشنق إلى ما لا نهاية . (ص5 )
يتبدى السارد هنا بمنزلة المفسر لشيفرة ذاك الصك القانوني الذي يتضمن حكماً ينص على أن يعيش المجرم ليشنق ثم يعيش ليعدم إلى مالا نهاية .
ويعود أديبنا عزوز إلى شخصية الراوي المألوفة فيرصد بعدسته الفنية مشهد الشنق : ( يتدلى الرجل من الأعلى ، ويبدأ جسده بالاهتزاز ، وفجأة قبل أن يخرج لسانه من حلقه ، يسرع جلاد فيقطع الحبل ببراعة ، يظهر الإنهاك جلياً على جسد الرجل لدى تركه وهو يحاول الاعتماد على نفسه في الوقوف ، يقدمون له جرعة ماء .. وبعد ذلك خشبة ثانية.. فثالثة.. وخامسة.. (ص 6)
تكتسب خشبات المشانق التي لا تكاد تنتهي بعداً فنياً بالغ الأهمية، ذلك لأنها تبرز علامات سيميائية أو شارات قرائية تنقل مضمون صك الحكم الذي أقرته المحكمة على مجرم أدانته بجرائم لا تحصى، ثم حكمت عليه بالشنق إلى ما قبل الموت لمرات تركت المحكمة تحديدها للظروف ورأي الجلادين. (ص5 )
وعلى غرار وثيقة الحكم القضائي الذي يشكل حجر الأساس في ميتاسردية هذه القصة القصيرة ، تبرز اللوحة التي علقت على صدر بطل قصة ( صرخة ) بوصفها إطاراً لنص يمثل محور هذه الصرخة : ( أنا ماظَلَمتُ ولكني ظُلِمتُ ولا أزال أظلم حتى الساعة ) ص (7) .
قبل سبر أغوار هذه الصرخة المأساوية ، أود التأكيد أنها تذكرنا ببيت الشعر الشهير الذي أوصى أبو العلاء المعري بكتابته على شاهدة قبره :
هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد
يبدو بطل القاص عزوز أشبه بأبي العلاء المعري لأن الدهر جار عليهما ، ولم يجورا على أحد .تشير القراءة المتأنية إلى أن مفردات الظلم المكررة في اللوحة التي تتصدر قصة عزوز تختزل مأساة بطلها الذي نشأ وترعرع في بيئة فقر مدقع : ( لوحة علقت على صدري منذ سقطت من رحم أمي على أرض ترابية تعشش فيها براغيث نشيطة من مختلف الأحجام والأشكال ) .. ص (7)
تبرز البراغيث علامات سيميائية تدل على بيئة ريفية تفتقر إلى أوليات الحياة الإنسانية الأساسية من مسكن صحي وماء.. بيد أن لهذه الصرخة أثراً ميتاسردياً بالغ الأهمية ، ذلك لأنها كانت تشكل اهتمام بطل القصة منذ صغره .
( كنت صغيراً وكانت القصاصات التي تجمعها والدتي إلى بعضها لتلبسني إياها ، تحول دون قراءة اللوحة ) ص (7) .
وتتنامى أبعاد هذه الصرخة فتغدو هاجس صاحبها الذي يسيطر على كيانه على الدوام ، فهو يبحث عن قارئ جيد لمفرداتها ومضموناتها وإيحاءاتها ، إلا أنه لم يعثر على ذاك القارئ النبيه : ( عقود عديدة مضت وأنا أبحث عن قارئ جيد يفك أحرف اللوحة سواي فلم أجد ) ص (7) .
يحس بطل القصة بدوي تلك الصرخة في أعماقه وبإخفاقه في العثور على قارئ لمعانيها ، فيستشيط غضباً ، ويقول : ( تنتابني حالات من التوتر فتدفعني إلى الأزقة والشوارع ، وأعدو كالمعتوه ، وأصيح بملء صوتي عما تحمله اللوحة ومشيراً بيدي إليها ) ( ص 7 – 8 ) .
تنطوي ميتاسردية هذه المشهدية التي تتجلى في قراءة البطل للكلمات المكتوبة على تلك اللوحة وإشاراته إليها على قضية اجتماعية جد مهمة : عدم

اكتراث الآخرين به وتقوقعهم في شرنقات ذواتهم وآمالهم وهمومهم : ( يمرون فلا يلتفتون ولا يهتمون لصياحي وإشاراتي ) ( ص8 ) .

تحمل خيبة الصارخ في طياتها قضية العزوف عن الإصغاء إليه ، أو العزوف عن القراءة ، وتعد هذه القضية جانباً من جوانب تفشي آفة الأنانية واندثار فضيلة الغيرية .
وتتعاظم خيبة الصارخ / الراوي في الوصول إلى المستمع / المتلقي فيقرر الانكفاء إلى ذاته ، ويعود إلى مسقط رأسه فتتناهى إليه أصداء الصرخة الأولى التي ملأت أذنيه .
( فأعود إلى حيث لازلت أسمع صدى الصرخة الأولى ، وأصرخ من جديد ) .(ص8)
إن لعبارة ( وأصرخ من جديد ) قيمة عظيمة لأنها تشكل خاتمة لهذه القصة ، فتؤكد إصرار الصارخ / الراوي على إعادة سرد قصته لعله يجد آذاناً صاغية ، وما هذا الإصرار إلا هاجس سدنة القلم على مر العصور ، فهمهم الوحيد إيصال صوتهم إلى الآخر ، وهذا الهم هو رسالة الأدب التي لا تتغير ولا تفنى .
هذا غيض من فيض ، فقصص هذه المجموعة تحفل بالميتاسرد وأدواته ، وسنقف على هذه القضية في وقفة أخرى نخصصها لقصتين تتجلى الميتاسردية في عنوانيهما وفي كل تفاصيلهما .
1- محمد عزوز ، قرط خدوج : قصص قصيرة ، دار معد للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق 2004 .

أ.د. الياس خلف

المزيد...
آخر الأخبار