الفداء – دايانا بلول
تلعب الجيولوجيا دورا محوريا في حدوث الزلازل، إذ يؤثر سمك القشرة الأرضية وما تحتويه من فوالق وتصدعات في تحديد طبيعة النشاط الزلزالي في أي منطقة من العالم.
وتعد سورية من الدول الواقعة في نطاق نشط زلزاليا، نظراً لموقعها الجغرافي المعقد على حافة الصفائح التكتونية الكبرى.
الموقع الجغرافي والجيولوجي لسورية
تقع سورية في موقع استراتيجي بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتجاور تركيا شمالا، والعراق شرقا، والأردن جنوبا، ولبنان وفلسطين غربا، كما تطل على البحر الأبيض المتوسط.
وتقع البلاد على الطرف الشمالي من الصدع السوري – الإفريقي، ما يجعلها تتأثر بشكل مباشر بالحركات المستمرة للصفائح التكتونية، وخاصة الصفيحة العربية، والأفريقية، والأناضولية.
هذا الموقع يجعل جيولوجيا سورية معقدة نسبياً نتيجة تداخل وتفاعل هذه الصفائح، وهو ما يفسر تكرار النشاط الزلزالي في عدد من مناطقها.
الصدوع ودورها في توليد الزلازل
الصدع هو كسر في القشرة الأرضية تنزلق على إثره كتل من الصخور بجانب بعضها البعض، ما يؤدي إلى تحرر الطاقة التكتونية وحدوث الزلازل. وقد تمتد هذه الصدوع لمسافات تصل إلى مئات الكيلومترات.
ويعتبر صدع البحر الميت التحويلي من أبرز الصدوع المؤثرة في النشاط الزلزالي الإقليمي، إذ يمتد من خليج العقبة جنوبا إلى تركيا شمالا، مارا عبر فلسطين ولبنان وسورية والأردن، ما يجعل المنطقة بأكملها عرضة لهزات متفاوتة القوة.
تفاعلات الصفائح وتراكم الطاقة
تتكون القشرة الأرضية من صفائح قارية (يابسة) وصفائح محيطية (تحت البحر)، إضافة إلى صفائح مختلطة. وهذه الصفائح تصطف كقطع الموزاييك على سطح الأرض.
تتحرك هذه الصفائح بفعل ضغط الماغما (المواد المنصهرة في باطن الأرض)، ما يؤدي إلى احتكاكها ببعضها البعض، محدثة انكسارات وزلازل.
ويعد تراكم الطاقة التكتونية عبر الزمن من العوامل الأساسية في تشكل الزلازل، فلكل صفيحة سرعة حركة محددة، ومع استمرار هذه الحركة تتراكم الضغوط والإجهادات على الصدوع. وعندما تصل الطاقة إلى حدها الأقصى، تتحرر فجأة على شكل زلزال تختلف شدته حسب مقدار الطاقة المتراكمة.
وعند وقوع الزلزال، يمكن أن تؤدي الطاقة المتحررة إلى تحريك أو تغيير شكل القارات والبحار، وقد تساهم في تشكل أحواض أو محيطات جديدة مع مرور الزمن.
النشاط الزلزالي الأخير في سورية
في السياق ذاته، أوضح الباحث العلمي الدكتور قاهر أبو الجدايل أن هزة أرضية حدثت في سورية يوم السبت 1 تشرين الأول 2025، جنوب غربي يبرود، بلغت قوتها 3.9 درجات على مقياس ريختر، وعلى عمق 3 كيلومترات عند الساعة 1:27 فجراً.
وبين الدكتور أبو الجدايل أن هذه الهزة وقعت على فالق سرغايا المتفرع شمالاً وشرقاً عن فالق البحر الميت الأساسي، مشيراً إلى أن تكرار الهزات بهذه القوة قد يكون مؤشرا لقرب تحرير طاقة أكبر قد تصل إلى 6.3 درجات على مقياس ريختر.
وأشار الباحث إلى أن النقاط الأخطر على فالق البحر الميت تشمل بحيرة طبريا، فالق الروم، سرغايا، راشيا، واليمونة، حيث تمثّل هذه المواقع أكثر المناطق عرضة للنشاط الزلزالي في المنطقة.
كما لفت إلى أن الجزء الممتد من فالق مصياف حتى البحر الميت يحمل إجهادات تكتونية ملحوظة، لكنها لا يتوقع أن تنتج زلازل عنيفة تتجاوز 6 درجات، بل تبقى ضمن الحدود المتوسطة.
ووفقاً لتقديراته، شعر بالهزة الأخيرة سكان القلمون والنبك والمناطق المجاورة، خصوصاً في الطوابق العالية.
الوعي الزلزالي ضرورة لا بد منها
يؤكد المختصون أنه لا يمكن منع الزلازل، لكن يمكن الحد من آثارها عبر الاستعداد والتوعية.
ويعد تعريف المواطنين بطرق التصرف أثناء الزلزال وبعده أمرا بالغ الأهمية لضمان السلامة العامة وتقليل الأضرار. كما ينصح بالالتزام بتصميمات الأبنية المقاومة للزلازل، والتدريب المستمر على خطط الطوارئ والإخلاء.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن ما يعرف بـ “الزمن الزلزالي” يُقاس بالسنوات، وهو عامل حاسم في تفسير دورات النشاط الزلزالي.
فمستقبل سورية والدول المجاورة( لبنان، فلسطين، والأردن) يبقى مرتبطا بما تفرضه جغرافيا المنطقة من تغيّرات تكتونية متواصلة، تجعل من الرصد المستمر والوعي المجتمعي خط الدفاع الأول في مواجهة الخطر الزلزالي.