أمين التحرير: فراس اليحيى
في لحظة مفصليةٍ من تاريخ سوريا الحديث، يبرز سؤالٌ جوهري حول طبيعة الدور الذي يجب أن تؤديه المؤسسة العسكرية في الدولة الجديدة: هل يبقى الجيش مجرد قوةٍ أمنية تقليدية، أم يتحول إلى مؤسسة وطنية حديثة تقوم على الاحتراف والكفاءة وتدعم استقرار الدولة ومسار تعافيها؟
الإجابة بدأت تتبلور عملياً مع إعلان وزارة الدفاع إطلاق عملية تقييمٍ شاملةٍ لضباط الجيش العربي السوري، وهي خطوة تحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد إجراء إداري أو تنظيمي. فالتقييم العسكري، في جوهره، يعكس تحولاً في فلسفة بناء المؤسسة العسكرية، والانتقال من مرحلة التشكيلات المتعددة والظروف الاستثنائية إلى مرحلة العمل المؤسساتي القائم على المعايير المهنية والعلمية.
لقد شكل الجيش السوري لعقودٍ طويلةٍ أحد أكثر المؤسسات تأثراً بطبيعة النظام البائد، حيث ارتبطت الترفيعات والتعيينات بالولاءات الشخصية أو الاعتبارات الأمنية الضيقة، على حساب الكفاءة المهنية والاحتراف العسكري. ونتيجة لذلك، فقدت المؤسسة العسكرية جزءاً مهماً من دورها الطبيعي كمؤسسة وطنية جامعة، وتحولت تدريجياً إلى أداة في خدمة السلطة وقتل الشعب بيد من يمسك لجامها، الأمر الذي انعكس سلباً على صورتها في المجتمع وعلى أدائها المهني.
اليوم، ومع انطلاق عملية إعادة بناء الجيش بعد سقوط النظام السابق، تبدو الحاجة ملحةً لتأسيس عقيدةٍ عسكرية جديدة تقوم على مبادئ الاحترافية والشفافية والمساءلة. وفي هذا السياق، يأتي قرار تقييم الضباط كخطوة مفصلية لإعادة ضبط معايير العمل العسكري، ووضع الكفاءة العلمية والميدانية في موقعها الصحيح باعتبارها الأساس الحقيقي لتولي المسؤوليات والرتب.
ولا يقتصر تأثير هذه الخطوة على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى البعد المؤسسي للدولة ككل، فوجود جيشٍ منظمٍ ومحترف يشكل أحد أهم ركائز الاستقرار السياسي والأمني، وهو شرطٌ أساسي لتهيئة البيئة المناسبة لعودة النشاط الاقتصادي وجذب الاستثمارات وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، فالاقتصاد لا يمكن أن ينمو في ظل بيئة أمنية مضطربة أو مؤسسات ضعيفة، كما أن بناء جيش حديث يتطلب بدوره إدارةً رشيدةً للموارد العامة بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن الوطني وأولويات التنمية.
كما أن التقييم الشامل يفتح الباب أمام بناء قاعدة بيانات دقيقة للكفاءات العسكرية، بما يسمح بإعادة توزيع الضباط وفق تخصصاتهم وخبراتهم الفعلية، وهذا النهج يعزز من كفاءة إدارة الموارد البشرية داخل المؤسسة العسكرية، ويمنح الضباط الشباب فرصةً حقيقيةً للتقدم في مسارهم المهني بناءً على الجدارة لا العلاقات الشخصية.
إلى جانب ذلك، فإن المؤسسة العسكرية اليوم لا تقاس فقط بقدرتها القتالية، بل أيضاً بقدرتها التنظيمية والعلمية والتقنية، فالجيش يضم آلاف الكفاءات في مجالات الهندسة والاتصالات والإدارة واللوجستيات، وهي خبراتٌ يمكن أن تسهم مستقبلاً في دعم مشاريع إعادة الإعمار وإدارة الأزمات والكوارث، وتعزيز البنية التحتية للدولة.
لقد أظهرت تجارب دول عديدة أن المؤسسات العسكرية عندما تبنى على أسس احترافية يمكن أن تلعب دوراً إيجابياً في دعم الاستقرار والتنمية، ففي العديد من الدول المتقدمة، شكّل الاستقرار الأمني الذي توفره الجيوش المهنية عاملاً أساسياً في خلق بيئة اقتصادية مستقرة تشجع الاستثمار والابتكار.
وفي سوريا، فإن إعادة بناء الجيش على أسس وطنية ومهنية تمثل خطوة ضرورية لاستعادة ثقة المجتمع بالمؤسسات العامة، وترسيخ فكرة أن الجيش هو مؤسسة لحماية الوطن والمواطن، لا أداة لخدمة نظام أو فئة.
إن قرار تقييم الضباط رسالةٌ واضحةٌ بأن مرحلةً جديدةً بدأت، مرحلةٌ يكون فيها العلم العسكري والكفاءة المهنية هما المعيار الحقيقي للتقدم داخل المؤسسة العسكرية.
ومن هنا، فإن نجاح هذه الخطوة يمكن أن يشكل أساساً لبناء جيش وطني حديث، يعكس تطلعات السوريين ويؤدي دوره الطبيعي في حماية الدولة ودعم استقرارها في السنوات القادمة.
#صحيفة_ الفداء