الفداء _ ناديا المير محمود
كيف يمكن لحافلة واحدة أن تختصر المسافات بين عقول سورية باعدت بينها الجغرافيا؟ هذا ما حصل مع انطلاق مجموعة من السوريين في رحلة نحو مدينة تختلف عنهم في تفاصيل يومية كثيرة، من اللهجة إلى طريقة التفكير.
الرحلة، التي جاءت ضمن فعالية للمجتمع المدني، هدفت إلى جمع مشاركين من محافظات مختلفة بعد سنوات من الانقطاع. حيث إن بعضهم كانوا يزورون المدينة للمرة الأولى.
على طول أوتستراد اللاذقية_ حلب، تفاوتت المشاعر داخل الحافلة بين الترقب والشغف. وفي حين خيّم الصمت على أجزاء من الطريق، انشغل آخرون بالحديث عن المدن التي غابوا عنها لسنوات. فرغم ذلك الهدوء كانت تفاصيل الطريق وآثار الدمار على جوانب الطريق، تذكّر الجميع بأن المسافة لم تكن تُقاس بالكيلومترات، بل بحجم الغياب الإجباري.
استغرق النزول من الحافلة دقائق معدودة، لكنها كانت محملة بأسئلة وتطلعات كثيرة. وبدت علامات التردد واضحة بين المشاركين الذين يلتقون للمرة الأولى.
بعد الوصول، بدأ بعض المشاركين بالتعرف إلى الحضور، بينما فضّل آخرون مراقبة الأجواء بهدوء قبل الدخول في الأحاديث.
مرت الساعة الأولى مفعمة بالود، أحضان حارة، ترحيب أصيل، وعبارات استقبال تنبض بالثقافة المحلية الدافئة. وسرعان ما ارتفعت الأغاني وعلت الهتافات في مشهد بدا فيه الفرح الجماعي كأنه طارد لشياطين الفتنة.
هذا السلوك الجماعي لم يكن مجرد تعبير عابر، بل تحول عملياً إلى مساحة آمنة للتلاقي. في اللحظة التي تشابكت فيها الأيادي وارتفعت الأصوات، تراجعت الاختلافات والمواقف الجاهزة مؤقتاً، وتذكّر الجميع أن ما يجمعهم أكبر من سنوات الانقسام.
لقد خفف هذا التفاعل الاحتفالي ماخفي من توتر، وصار الحديث بين كل الأطراف أسهل، مما سمح للقلوب أن تتقارب قبل العقول، وخفّف من وطأة اللقاء الأول، وجعل الأجواء مريحة ومطمئنة للجميع.
وتعددت دوافع المشاركين في هذا المشهد لتبني جسراً سورياً، حيث وجد البعض في الحركة والهتاف وسيلة لتخفيف ثقل سنوات الانقطاع، والبدء من نقطة إيجابية بيضاء، بينما تفاعل آخرون من منطلق شعور حقيقي بالأمان وزوال الحواجز الجغرافية التي منعتهم من التواصل، وآخرون بدافع العادة الاجتماعية الفطرية التي تقتضي مشاركة أهل الأرض طقوسهم أينما حلوا.
قال أحد المشاركين: إن الرحلة كانت فرصة لرؤية أشخاص لم يلتقِ بهم منذ سنوات، بينما رأى آخرون أنها خطوة بسيطة لكنها مهمة لإعادة التواصل بين المحافظات.
يعكس هذا المشهد على خط اللاذقية – حلب، حقيقة السلم الأهلي في أبهى صوره العفوية، وهو مشهد يتكرر اليوم في أكثر من رحلة تواصل، ووفد أهلي بين المحافظات. إنه سلم يبدأ بلقاء الأجساد والمظاهر الاحتفالية لتمهيد الطريق، لتأتي بعدها آليات الحوار الأكثر عمقاً وواقعية، والقدرة على بناء ذاكرة مشتركة متينة تتسع للجميع.
#صحيفة_الفداء