نظّمت وزارة الثقافة في دار الأوبرا بدمشق فعالية بعنوان: “الثورة السورية — احتفالية التكريم”، وفاءً للتضحيات وعرفاناً لمن مهدوا طريق الحرية وتخليداً لذكراهم. وحظيت الفعالية بحضور شعبي ورسمي واسع لتوجه رسالة تذكر بعطاء رموز الثورة السورية الذين بذلوا الغالي في سبيل نيل الحرية والكرامة، وتركوا أثراً صادقاً رسخ القيم الإنسانية والوطنية.
وشهدت الاحتفالية، التي أدارها فريق من المشاركين في مسار الثورة منذ عام 2011، تكريم شخصيات ساهمت في هذا المسار تقديراً لتضحياتهم، وكان من بين المكرمين “عميد الأطباء”، الشهيد الدكتور حسن الأعرج، حيث تسلم أحد أقربائه درع التكريم، بعد أن استشهد الراحل أثناء محاولته الوصول إلى مشفى المغارة القريب من خطوط الاشتباك، بريف حماة الشمالي لإنقاذ حياة مصاب في غرفة العمليات.
نبذة عن الطبيب حسن الأعرج
ينحدر الطبيب حسن الأعرج، من مدينة كفرزيتا بريف حماة الشمالي، وهو من مواليد عام 1970، متزوج وله ثلاثة أولاد ذكور وابنتان.
وقد حصل على شهادة البكالوريا من مدرسة أبي الفداء في مدينة حماة عام 1989، ثم نال شهادة البكالوريوس في الطب البشري من جامعة حلب عام 1995، ليلتحق بعد ذلك باختصاص الطب الباطني، ويحصل على شهادة الاختصاص في الأمراض القلبية والأوعية الدموية من مشفى تشرين بمدينة دمشق.
مسيرته الطبية وتأسيس المنشآت الحرة
بدأ الأعرج، مسيرته الطبية قبل الثورة السورية، حيث أسس مع مجموعة من الأطباء مشفى كفرزيتا التخصصي عام 2002، وعمل فيه حتى عام 2011، ومع انطلاق الثورة حوّله إلى مشفى ميداني لمعالجة المرضى والجرحى والمصابين.
وفي نيسان من عام 2014، ساهم في تأسيس مديرية الصحة الحرة في محافظة حماة التابعة للحكومة السورية المؤقتة، وتولى إدارتها لاحقاً لتبدأ مرحلة جديدة من تنظيم العمل الطبي في المنطقة.
وعقب استهداف نظام الأسد المخلوع، للمشفى على مدار خمس سنوات بأكثر من مئة غارة وبرميل متفجر وعدد كبير من الصواريخ والقذائف المدفعية، قرر الدكتور حسن، لجوء المنشآت الطبية إلى باطن الأرض لحماية الأرواح، مطلقاً مقولته الشهيرة بأنه لم يعد من الممكن تقديم خدمة طبية فوق سطح الأرض في هذه المنطقة المشتعلة، وكان من أبرز تلك المنشآت مشفى المغارة المركزي الذي استشهد عند بابه لاحقاً.
تنظيم العمل الصحي وتحصين المحافظة
يعود الفضل للدكتور حسن الأعرج، في توحيد العمل الطبي بمحافظة حماة، وتأمين رواتب الكوادر الصحية، حيث ساهم مع أطباء آخرين في توفير شبكة واسعة من النقاط الطبية ومراكز الإسعاف، وأكثر من عشرين مركزاً صحياً، وخمسة مشافٍ ميدانية لتقديم الخدمات المجانية في المناطق المحررة.
ولم يقتصر جهده على العلاج بل تعداه إلى الوقاية، حيث ساهم في تأمين حملات لقاح غطت جميع الأطفال في المناطق المحررة بالمحافظة.
وتميز ببذل الجهد الأكبر في تحصين المشافي وتدعيمها في محاولة لصد قصف الطائرات الحربية والمروحية التابعة للنظام البائد وروسيا، بهدف حماية الكوادر البشرية، لتكون حماة هي المحافظة السباقة في ابتكار هذا الحل لحماية المنشآت الطبية في سوريا.
توثيق الجرائم واللحظات الأخيرة
كان الأعرج، شوكة في حلق النظام البائد، ومن أبرز من وثقوا جرائمه ومجازره بحق المدنيين، بما فيها مجازر اللطامنة، كفرزيتا، حلفايا، وخان شيخون، إضافة إلى القصف بالبراميل المتفجرة الحاوية على غاز الكلور السام التي هزت ضمير الإنسانية.
وعُرف الراحل بالحكمة والهدوء وثبات الإيمان واليقين، حيث آثر البقاء في أرضه رغم كل العروض الخارجية المغرية لمغادرتها، وظل صامداً مرابطاً في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً، ليصبح بنموذجه مصدر إلهام، ودافعاً لزملائه لمواصلة تقديم الخدمات الطبية لأهالي المناطق المحررة بكل إخلاص وتفانٍ.
وكانت آخر كلماته التي نشرها عبر حسابه الشخصي في موقع فيسبوك قبل رحيله هي “هالبلد ما عاد تسع إلنا وألهم … يا ألنا … يا ألنا”، ليستشهد بعد ذلك إثر غارة من طائرة حربية بتاريخ الثالث عشر من نيسان عام 2016، وهو يحاول الوصول إلى مشفى المغارة القريب من خطوط الاشتباك لتأدية واجبه الطبي والإنساني وإنقاذ حياة مصاب في غرفة العمليات.
#صحيفة_الفداء