من الخوف إلى الجرّ في الشوارع.. التحولات السياسية لدوار النسر في حماة

 

بقلم ياقوت الحموي

 

لم يكن دوار النسر في حماة مجرد ساحة مرور عند المدخل الجنوبي للمدينة، بل كان لسنوات طويلة رمزاً ثقيلاً لفرض السيطرة على مدينة ما زالت تحمل جرحها الكبير مع نظام حافظ الأسد. ففي ذلك المكان ارتفع تمثاله، لا كتمثال عادي لحاكم مجرم، بل كحضور يومي لسلطة ارتبط اسمها في ذاكرة الحمويين بالقمع والقتل ومجزرة عام 1982.

ولهذا لم يكن المرور بقربه أمراً عادياً، بل كان شعوراً خانقاً بأن المدينة لم تُترك لتتذكر جرحها وحدها، بل فُرض عليها أن تنظر كل يوم إلى صورة من تسبب به.

ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، ثورة العدالة والحرية والكرامة، لم يعد التمثال مجرد أثر من آثار عبادة الفرد، بل صار نقطة اختبار لعلاقة الناس بالخوف.

كانت كل العيون تتجه إليه، لا لأنه حجر صامت، بل لأنه اختصر صراعاً خفياً بين سلطة تريد تثبيت هيبتها بالقوة، وشعب يريد أن يكسر هذه الهيمنة ولو رمزياً.

وبعد أحداث حزيران الدامية، دخلت حماة مرحلة تراجع فيها الوجود الأمني داخل المدينة إلى حد كبير، وخرجت فيها احتجاجات واسعة غير مسبوقة، بحيث عاشت المدينة فراغاً أمنياً نسبياً ومساحة احتجاج مفتوحة نسبياً، دون أن يعني ذلك تحرراً كاملاً بالمعنى السياسي والإداري.

وفي العاشر من حزيران/ يونيو 2011 أُزيل التمثال من مكانه. ولم تكن أهمية هذه اللحظة في الإزالة وحدها، بل في المعنى الذي حملته عند أهل المدينة، لقد انكسر، ولو مؤقتاً، رمز بدا لسنوات وكأنه فوق المساس.

والنظام لم يزله لأنه تراجع أو راجع نفسه، بل لأن بقاءه صار مهدداً بأن يتحول إلى مشهد إذلال علني على يد الحمويين، لذلك أزالته أجهزته الأمنية استباقاً لما هو أكبر. عندها ظهرت هشاشة الرمز الذي بدا طويلاً ثابتاً لا يقترب منه أحد.

يومها لم يكن المشهد سياسياً فقط، بل كان شعبياً وعاطفياً أيضاً. انتشر الفرح في المدينة، وخرجت الأهازيج العفوية التي اختصرت اللحظة بكلمات بسيطة وحادة، حيث تداول الشارع يومها هتافات شعبية لاذعة أسقطت هيبة الرمز عبر السخرية السياسية، وكان من أكثرها حضوراً في الذاكرة الحموية الهتاف الذي رددته الحناجر المتظاهرة:

“نحن الحموية الأحرار بدنا نشيلو لبشار

شالوا حافظ حطوا حمار والله حركة ذكية

يسقط يسقط النظام ويسقط حزب البعثية”.

لكن هذه اللحظة لم تكتمل، إذ استعاد النظام السيطرة على المدينة بالقوة، وانتهت تلك المساحة القصيرة التي شعر فيها الناس أن القبضة ارتخت.

وفي الحادي والثلاثين من تموز/ يوليو 2011 دخلت حماة طور الاقتحام العسكري الواسع، وعاد ميزان القوة ليميل من جديد لمصلحة السلطة.

ثم عاد النظام بعد سنوات ليعيد التمثال نفسه إلى مكانه في التاسع من شباط/ فبراير 2017. ولم تكن تلك العودة خطوة شكلية، بل رسالة واضحة تقول إن السلطة استعادت حقها في فرض الرمز وإعادة كتابة المشهد العام كما تريد.

وهكذا عاد الدوار إلى وظيفته القديمة، تذكير الناس بأن القبضة التي اهتزت لم تسقط بعد. لم تكن عودة التمثال مجرد إعادة حجر إلى مكانه، بل استعراضاً لاستعادة الغلبة وفرضاً جديداً للرمز على مدينة كانت قد تذوقت، ولو قليلاً، معنى كسره.

غير أن التحول الأكبر جاء في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر 2024، حين سقطت حماة بمعركة “ردع العدوان”، وسقط معها التمثال للمرة الثانية. وهذه المرة لم يكن سقوطه قراراً أمنياً استباقياً، بل مشهداً علنياً يعلن أن الرمز الذي فُرض طويلاً على المدينة لم يعد قادراً على البقاء.

ثم ظهرت صور ومقاطع رأس حافظ الأسد وهو يُجرّ في شوارع حماة، في مشهد لم يكن مجرد انتقام بصري، بل انقلاباً كاملاً في معنى المكان نفسه. فما وُضع يوماً عند بوابة حماة ليقول للناس إن السلطة هنا باقية ومسيطرة، انتهى مطروحاً أرضاً ومهاناً أمامهم.

لهذا، فإن حكاية دوار النسر ليست حكاية تمثال فقط، بل حكاية علاقة مدينة بالسلطة، من فرض الخوف عبر الرمز، إلى اهتزازه، إلى إعادته استعراضاً للغلبة، ثم إلى سقوطه حين انهارت هذه الغلبة نفسها.

وفي هذا المعنى، لا يروي الدوار تبدل شكل ساحة فحسب، بل يروي كيف يمكن لمدينة أن تستعيد، ولو بعد زمن طويل، حقها في إعادة تفسير المكان الذي فُرض عليها. لقد شهد هذا الدوار تحولات سياسية واضحة، لكنه شهد أيضاً ما هو أعمق: تحولات في الذاكرة، وفي الشعور، وفي معنى أن تنظر المدينة إلى بوابتها أخيراً من دون أن ترى فوقها رمز من قهرها طويلاً، ومن هنا يقف الدوار اليوم شاهداً على بداية عهد جديد، ينتظر فيه الحمويون إعادة صياغة بوابتهم الجنوبية بما يعكس هويتهم الحقيقية وتاريخهم الأصيل بعيداً عن إرث الاستبداد.

المزيد...
آخر الأخبار