من الدبلوماسية إلى العمل المؤسسي.. سوريا وألمانيا تطلقان اللجنة المشتركة

 

الفداء_ أحمد العلي 

وقّعت سوريا وألمانيا الاتحادية، اليوم الخميس في قصر تشرين بدمشق، اتفاقية تشكيل اللجنة السورية–الألمانية المشتركة، بما يؤسس لآلية مؤسسية دائمة، لتنظيم التعاون الثنائي، وتعزيز العلاقات على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

ويشكّل انعقاد دورتها الافتتاحية اليوم، برئاسة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ووزير الدولة في الخارجية الألمانية غيزا أندرياس فون غاير، خطوة مفصلية نحو تطوير العلاقات الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون بين البلدين.

ويجسّد إطلاق اللجنة السورية – الألمانية المشتركة، تحولاً نوعياً في مسار العلاقات الثنائية، ويؤكد أن دمشق تقود عملية الانفتاح الدولي وبناء الشراكات الدولية وفق أجندتها الوطنية، ورؤيتها لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار، بما يفتح فرصاً جديدة للتعاون في الملفات الاقتصادية والتنموية والإنسانية، وصولاً إلى شراكة متوازنة تخدم مصالح البلدين.

تأسيس اللجنة السورية–الألمانية المشتركة، يأتي في سياق حراك دبلوماسي تشهده سوريا خلال المرحلة الحالية، والذي يتمثل بتوسيع شبكة العلاقات مع عدد من الدول الأوروبية، في ظل مساعٍ متبادلة لإعادة بناء قنوات التواصل المؤسسي، وسط إدراك متبادل بأن تحديات المرحلة المقبلة، سواء على المستوى الاقتصادي، أو الإنساني، أو الأمني، تتطلب قنوات تواصل مباشرة، وآليات تعاون أكثر فاعلية.

وفي المقابل، تبدو ألمانيا معنية بتطوير مقاربة أكثر انخراطاً في الملفات السورية، انطلاقاً من ارتباط عدد من القضايا الحيوية بمصالحها المباشرة، وفي مقدمتها الاستقرار الإقليمي، والحدّ من تدفقات الهجرة، ومكافحة الجريمة المنظمة، ودعم التعافي الاقتصادي.

سياسياً، تمنح اللجنة المشتركة العلاقات الثنائية بعداً جديداً يتجاوز اللقاءات الرسمية المتفرقة، إذ توفر آلية ثابتة للحوار حول القضايا الثنائية والإقليمية، وتتيح معالجة الملفات الخلافية ضمن قنوات مؤسساتية، بما يعزز الثقة المتبادلة، ويمنح العلاقات قدراً أكبر من الاستقرار والاستمرارية، بعيداً عن تأثير المتغيرات السياسية الآنية الظرفية.

اقتصادياً، تفتح اللجنة المشتركة الباب أمام بناء شراكات طويلة الأمد في قطاعات استراتيجية تشمل الاستثمار، والطاقة، والنقل، والبنية التحتية، والطيران المدني، والتعليم، وإعادة الإعمار، بما يدعم الاستقرار والتنمية. كما يمكن أن تسهم في تشجيع القطاع الخاص في البلدين على بناء شراكات اقتصادية جديدة، والاستفادة من الخبرات الألمانية في مجالات الصناعة، والتكنولوجيا، والتأهيل الفني، بما يدعم إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية، ويرفع كفاءة المؤسسات.

ويبرز ملف اللاجئين بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات السورية–الألمانية، نظراً لاستضافة ألمانيا واحدة من أكبر الجاليات السورية في أوروبا. ومن المرجح أن يشكل هذا الملف محوراً رئيسياً في أعمال اللجنة، سواء فيما يتعلق ببحث آليات العودة الطوعية والآمنة والكريمة، وتحسين الظروف الاقتصادية والخدمية داخل سوريا، بما يهيئ بيئة أكثر ملاءمة للراغبين في العودة.

وفي الوقت ذاته، تمتد أجندة اللجنة إلى ملفات الأمن والدفاع المدني، والعدالة الانتقالية، والمفقودين، والأسلحة الكيميائية، وتوسيع التعاون فيها، لتعزيز الاستقرار وبناء الثقة، ودعم مسار التعافي الوطني.

وتكتسب اللجنة أيضاً، بعداً استراتيجياً، كونها تؤسس لنمط جديد من العلاقات بين دمشق وشركائها الأوروبيين، يقوم على المؤسسات الدائمة بدلاً من الاتصالات المؤقتة، وعلى الحوار المنتظم بدلاً من المبادرات المتقطعة. ويمنح هذا النموذج الطرفين قدرة أكبر على التخطيط طويل الأمد.

وفي المحصلة، لا يمثل تأسيس اللجنة السورية–الألمانية المشتركة، مجرد إجراء تنظيمي، بل يعكس تحولاً في طبيعة العلاقات الثنائية نحو شراكة أكثر قوة وتنظيماً. وإذا ما نجحت اللجنة في ترجمة تفاهماتها إلى مشاريع عملية، وآليات تنفيذ فعالة، فإنها قد تشكّل نموذجاً للتعاون المؤسسي بين سوريا والدول الأوروبية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة يكون فيها التعاون السياسي، والاقتصادي، والإنساني، ركيزة أساسية لدعم الاستقرار والتعافي والتنمية.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار