محمد غميرة.. من ملابسات التوقيف إلى اختبار المحاسبة

 

حماة_ عمار أبو شاهين  

أعادت وفاة الشاب محمد حسام الدين غميرة، بعد تدهور حالته الصحية إثر توقيفه في قسم شرطة الحفة بريف اللاذقية، ملف التعامل مع التجاوزات داخل المؤسسات الأمنية، إلى واجهة النقاش العام، وسط مطالبات بكشف كامل ملابسات القضية، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون.

وبالتوازي مع الاهتمام الواسع بالقضية، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية، توصيفات وضعت الحادثة مباشرة في إطار “أول حالة وفاة تحت التعذيب في سوريا الجديدة”، في وقت لا تزال فيه التحقيقات مستمرة لتحديد المسؤوليات، والوقوف على التفاصيل الكاملة لما جرى.

غير أن التسلسل الزمني للبيانات والإجراءات الرسمية، يظهر أن تحرّك وزارة الداخلية في القضية لم يبدأ بعد إعلان وفاة غميرة، بل سبق ذلك، وهي نقطة أساسية في قراءة مسار القضية وفهم الإجراءات التي اتخذت بشأنها.

تحقيق بدأ قبل إعلان الوفاة

في 14 آب، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، أن الجهات المختصة باشرت التحقيق في ملابسات توقيف محمد غميرة في قسم شرطة الحفة، على خلفية ادعاء بسرقة مبلغ مالي.

وأوضحت القيادة في حينه، أن التحقيق يشمل الإجراءات التي اتخذت بحقه، وظروف توقيفه، ومدى توافقها مع الأصول القانونية، إضافة إلى أخذ وضعه الصحي بعين الاعتبار، ولا سيما إصابته بمرض الناعور، وحاجته إلى رعاية طبية خاصة.

كما أكدت أن أي تجاوز يثبت وقوعه سيواجه بالإجراءات القانونية المناسبة.

ويكتسب تاريخ هذا الإعلان أهمية في متابعة القضية، إذ صدر قبل إعلان وفاة غميرة بيومين، ما يعني أن التحقيق في ظروف توقيفه، والإجراءات المتخذة بحقه، كان قائماً قبل تطور حالته الصحية ووفاته.

وفي 16 آب، أعلنت قيادة الأمن الداخلي توقيف سبعة أشخاص كانوا موجودين في نظارة قسم شرطة الحفة خلال فترة توقيف غميرة، بهدف استكمال التحقيق، والوصول إلى كامل ملابسات القضية.

واستخدم البيان الرسمي في توصيف الخطوة عبارة “استكمالاً للإجراءات المتخذة في القضية”، مشيراً إلى أن التوقيف جاء بناء على نتائج تحقيقات اللجنة المختصة.

وتوضح هذه الصياغة، أن الإجراء لم يكن بداية للتحرك الرسمي، وإنما مرحلة جديدة ضمن مسار تحقيق كان قد بدأ سابقاً، وانتقل من جمع المعلومات والتحقق من ظروف التوقيف، إلى اتخاذ إجراءات بحق أشخاص وردت أسماؤهم أو صلاتهم بالواقعة خلال التحقيق.

الوفاة رفعت مستوى القضية ولم تبدأ التحقيق

مع إعلان وفاة محمد غميرة في 16 آب، اتخذت القضية بعداً أكثر خطورة، وانتقلت من التحقيق في ظروف التوقيف والإصابات التي تعرّض لها، إلى تحديد أسباب الوفاة، والمسؤولية القانونية المترتبة عليها.

وأكد وزير الداخلية أنس خطاب، أن أية مخالفة، أو تجاوز من عناصر الوزارة، سيجري التعامل معه بحزم ووفق القوانين والإجراءات النافذة، وأن كل من يثبت تورّطه سيحاسب بعد استكمال التحقيقات.

كما أشارت التصريحات الرسمية إلى أن متابعة القضية بدأت قبل إعلان الوفاة، وأن الإجراءات اللاحقة جاءت ضمن مسار التحقيق وليس نتيجة بدء تحرك جديد بعد وفاة غميرة.

من جهته، قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح: إنه تابع القضية منذ يومها الأول مع وزير الداخلية، مشيراً إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحق المتهمين بالاعتداء على غميرة.

وتحدّث الصالح عن تعرّض غميرة للضرب، إضافة إلى معاناته من مرض الناعور، وهو مرض يزيد احتمالات النزيف ومضاعفاته، فيما تبقى مسألة تحديد العلاقة الدقيقة بين الاعتداء، والإصابات، والوفاة، من اختصاص التحقيقات الطبية والقضائية والجهات المختصة.

بين توصيف الواقعة ونتائج التحقيق

أثارت القضية ردود فعل واسعة، وصدرت مطالبات حقوقية وإعلامية بإجراء تحقيق شفاف، وتحديد المسؤوليات، وإعلان النتائج، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء.

كما تداول ناشطون توصيفات تتحدث عن وفاة غميرة “تحت التعذيب”، وربط بعضهم القضية بصورة أوسع بواقع المؤسسات الأمنية في المرحلة الجديدة.

وفي المقابل، فإن التعامل الصحفي مع القضية، يقتضي الفصل بين الوقائع التي جرى الإعلان عنها رسمياً، وبين التوصيفات التي لا تزال مرتبطة بنتائج التحقيق.

فوجود اعتداء أو تجاوز، وفق ما ورد في التصريحات الرسمية، يمثل جزءاً من الوقائع التي يجري التحقيق فيها، في حين أن تحديد المسؤولية الجنائية، وأسباب الوفاة بصورة نهائية، ومدى مسؤولية كل شخص شارك في التوقيف، أو التحقيق، أو الرعاية الطبية، يبقى مرتبطاً بما ستخلص إليه التحقيقات والجهات القضائية المختصة.

المحاسبة في صدارة المشهد

لا تتوقف أهمية قضية محمد غميرة عند واقعة الاعتداء أو التوقيف، رغم خطورتها، بل تمتد إلى الطريقة التي ستتعامل بها مؤسسات الدولة مع نتائج التحقيق.

فالتجاوزات الفردية يمكن أن تقع داخل أي مؤسسة، لكن المعيار الذي يحدد موقف المؤسسة منها، هو قدرتها على كشفها، والتحقيق فيها، ومحاسبة المسؤولين عنها، وعدم توفير أي غطاء أو حماية لمن يثبت تجاوزه للقانون.

ومن هنا، فإن توقيف مشتبه بهم، وفتح تحقيق رسمي، يمثلان بداية مسار المحاسبة، وليس نهايته.

وينتظر الرأي العام أن تجيب التحقيقات عن جملة من الأسئلة، من بينها طبيعة ما تعرّض له غميرة خلال فترة توقيفه، والأشخاص المسؤولين عن ذلك، ومدى الالتزام بالإجراءات القانونية أثناء احتجازه، وما إذا كان وضعه الصحي المعروف قد أخذ بعين الاعتبار بالشكل المطلوب، إضافة إلى تحديد أسباب الوفاة، والمسؤوليات المباشرة وغير المباشرة، المرتبطة بها.

كما يبقى الإعلان عن نتائج التحقيق، بعد استكمال الإجراءات القانونية، عنصراً مهما في التعامل مع القضية، ولا سيما في ظل الاهتمام الشعبي الواسع بها وحساسيتها المرتبطة بملف التوقيف والانتهاكات.

اختبار للمؤسسات

تحولت قضية محمد غميرة خلال فترة قصيرة، من حادثة مرتبطة بتوقيف داخل قسم للشرطة، إلى قضية رأي عام، وأصبحت نتائجها مرتبطة بصورة أوسع بمدى قدرة المؤسسات على التعامل مع الأخطاء والتجاوزات التي تقع داخلها.

ولا يتعلق الأمر في هذه الحالة بإنكار وقوع التجاوز أو التقليل من خطورته، بل بكيفية تعامل الجهات المعنية معه منذ اللحظة التي ظهرت فيها المؤشرات الأولى على وجود مخالفة، ثم بمدى جدية التحقيق وقدرته على الوصول إلى المسؤولين ومحاسبتهم.

ويشكّل التسلسل الزمني للإجراءات المتخذة، جزءاً أساسياً من هذه الصورة. فالتحقيق أعلن عنه قبل وفاة غميرة، ثم تبعته إجراءات إضافية وصفت رسمياً بأنها استكمال للتحقيقات السابقة، قبل أن ترفع الوفاة من مستوى القضية، ومسؤوليات الجهات التي تتولى التحقيق فيها.

وفي هذا السياق، فإن الاختبار الأهم أمام المؤسسات المعنية، لن يكون في مجرد الإعلان عن التحقيق، أو توقيف مشتبه بهم، وإنما في النتيجة التي سيصل إليها هذا المسار، ومدى وضوح المسؤوليات والإجراءات القضائية التي ستتخذ بحق كل من يثبت تورطه.

قضية تتجاوز الأشخاص

كان محمد غميرة من كوادر الدفاع المدني، وشارك خلال السنوات الماضية في أعمال الإنقاذ، وكان متزوجاً وأباً لطفلين، بحسب ما أعلنته وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث.

وتبقى لعائلته قبل أية جهة أخرى، أولوية معرفة ما جرى بصورة كاملة، والحصول على العدالة وفق القانون.

وفي الوقت نفسه، تتجاوز القضية في دلالاتها، الأشخاص المرتبطين مباشرة بالحادثة، لأنها تضع أمام المؤسسات مسألة أساسية تتعلق بعلاقتها بالقانون وقدرتها على محاسبة أفرادها عند وقوع أي انتهاك.

فالنتيجة التي ينتظرها الشارع، لا تقتصر على معرفة أن تجاوزاً وقع، بل تتعلق بمعرفة من ارتكبه، وكيف جرى التعامل معه، وما الإجراءات التي ستتخذ بحق المسؤولين، وما الخطوات التي ستمنع تكرار حالات مماثلة مستقبلاً؟.

وبذلك، تبقى قضية محمد غميرة مفتوحة على نتائج التحقيقات الجارية، فيما تتجه الأنظار إلى المرحلة التالية من الإجراءات، بوصفها العامل الأهم في تحديد كيفية تعامل الدولة مع الواقعة، ومدى قدرتها على تحويل التحقيق إلى محاسبة واضحة تستند إلى القانون، وتضع المسؤولية في مكانها الصحيح.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار