الفداء
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد مساحات للتسلية والحصول على معلومات، بل تحولت إلى أدوات قوية لإعادة تشكيل المفاهيم، وتأطير الصور الذهنية للعديد من الأدوار الاجتماعية والمهن.
ومع غزارة “المحتوى الساخر”، وتكرار القوالب الجاهزة، تنزلق بعض المفاهيم الفردية لتصبح “حقائق مفترضة” تعزز الصور النمطية، وتحوّل بعض الأدوار أو المهن الإنسانية إلى مصدر للوصمة.
صورة الأم.. بين الواقع والافتراض
مع بداية كل عام دراسي، تتكرر على المنصات الرقمية، مقاطع فيديو تظهر الأم وهي تودع أبناءها بالرقص والابتهاج، وكأنها تخلصت من عبء ثقيل.
ترى ربة المنزل راما ابراهيم خلال حديثها مع الفداء، أن هذه الصورة مرفوضة ضمناً، كونها تعزز انطباعاً خاطئاً عن الأمومة، وتوضح: “على عكس ما يروّج له المحتوى الساخر، تنتاب الكثير من الأمهات مع بداية الفصل الدراسي، مشاعر القلق والوحشة، فشعور الأمومة مرتبط أساساً بالقرب والتواجد المستمر مع الأبناء، وتصوير الذهاب إلى المدرسة كتخلص من العبء، هو تشويه لطبيعة هذه العاطفة”.
حين تُمارَس الوصمة ضد المهن
لا يقف الأمر عند حدود الأدوار الأسرية، بل يمتد ليشمل القطاعات المهنية، وفي مقدمتها الطب النفسي.
يشير المختص بالطب النفسي، الدكتور أمجد يونس، لصحيفة الفداء، إلى أن الصورة النمطية التي تطارد الطبيب النفسي في بعض المحتوى الرقمي، ومن قبله في السينما والتلفزيون، تظهره غالباً كشخص غير متوازن، أو أقرب إلى الاضطراب، يتحدث بأسلوب مبهم، وحركات غريبة بعيدة عن المنطق الطبي.
ويضيف د. يونس: “الخطر الأكبر يكمن في انتقال هذه الصورة من الطبيب إلى الممارسة الطبية ذاتها، حيث يتعزز لدى القارئ والمشاهد، انطباع بأن اللجوء إلى العلاج النفسي أمر يدعو إلى الخجل، بدلاً من التعامل معه كخدمة طبية تخصصية مكفولة. وفي البيئة الرقمية، يكفي التركيز المتكرر على الحالات السلبية، لتكوين انطباع مشوه عن منظومة صحية كاملة، في ظل غياب النماذج والقصص الناجحة”.
المحاماة.. العدالة في مواجهة السخرية
ولا يختلف المشهد كثيراً بالنسبة لمهنة المحاماة، ففي العديد من الأعمال الساخرة والمنشورات المتداولة، يُختزل المحامي في شخصية تسعى وراء الثغرات، وتدافع عن أي طرف لقاء المال، وتتعامل مع القانون كـ “لعبة” قابلة للالتفاف.
تؤكد المحامية وعد العلي، أن هذه الصور وإن كانت تُمثّل مادة سهلة للضحك، إلا أن خطورتها تكمن في تكرارها المستمر، مما يدفع الجمهور لإسقاط هذه الأحكام المبسّطة على أرض الواقع.
وتشير العلي، إلى أن الجدل الرقمي حول القضايا القانونية، أظهر قدرة “التريند” على إعادة ترتيب أولويات الرأي العام، حيث يصبح حجم التفاعل والانفعال معياراً لأهمية القضية، بدلاً من معياريتها القانونية والمهنية والحقيقية، مؤكدة أن المحامي الحقيقي ليس شخصية كرتونية، ولا يمكن الاختزال في موقف فردي.
التكرار.. كيف يتشكل الانطباع؟
إن المشكلة الأساسية في بيئة المنصات، لا تكمن في وجود السخرية بحد ذاتها، بل في التكرار. فعندما يتلقى المستخدم الصورة ذاتها عشرات المرات من حسابات مختلفة، تبدأ بالتحول تدريجياً إلى صورة مألوفة، وما هو مألوف يتسلل إلى الوعي الجمعي باعتباره “حقيقة” لا تقبل الشك.
ومع طبيعة الخوارزميات التي تضخّم المحتوى المثير للجدل والانفعال، تصبح الوقائع الفردية قضايا رأي عام خلال ساعات معدودة، مما يصعّب مهمة الفصل بين الحقيقة الموضوعية، والانطباع الذي صنعه التداول المتكرر.
#صحيفة_الفداء