الفداء
لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين والكبار، في ظل انتشار الهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى الإنترنت. وبينما توفر هذه الألعاب مساحة للمرح وتنمية المهارات، فإن الاستخدام المفرط لها يترك آثاراً سلبية على التحصيل الدراسي والصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية، فضلاً عن مخاطر التواصل مع الغرباء والابتزاز الإلكتروني والخسائر المالية، ما يضع الأسرة أمام تحدٍّ تربوي جديد يتجاوز مراقبة الواقع إلى متابعة الشاشات وتعزيز الوعي الرقمي.
وأوضحت المرشدة النفسية ريم يحيى للفداء، أن الألعاب ليست جميعها ضارة، إلا أن بعضها يحمل مخاطر تستدعي الانتباه، ولا سيما التي تتضمن مشاهد عنيفة أو ألفاظاً غير لائقة أو تتيح التواصل مع مجهولين. وأشارت إلى أن ألعاباً مثل “ببجي” قد تعرّض الأطفال لمحتوى عنيف ولعلاقات مع أشخاص غامضين قد تستغل في الابتزاز الإلكتروني.
ولفتت يحيى إلى أن المخاطر تمتد للجانب المالي، إذ إن بعض الألعاب المرتبطة بتحقيق مكاسب أو أرباح تدفع المستخدمين لقضاء ساعات طويلة على أمل كسب المال، وقد يصل الأمر بالبعض إلى خسارة مبالغ كبيرة أو التفريط بممتلكات ثمينة لمواصلة اللعب، مشددة على أن الهدف ليس المنع المطلق بل التعامل بوعي وحذر والتمييز بين الألعاب المناسبة والضارة.
التحصيل الدراسي والانعزال الاجتماعي
وبيّنت يحيى أن التحصيل الدراسي من أكثر الجوانب تأثراً باللعب المفرط في ظل غياب تنظيم الوقت والرقابة الأسرية، حيث يتراجع الوقت المخصص للدراسة والتركيز، وتزداد المشكلة تعقيداً إذا ارتبطت اللعبة بمكاسب مالية تجذب الطفل على حساب واجباته.
ونوهت إلى أن مسؤولية الأسرة لا تقف عند المراقبة، بل تشمل وضع جدول زمني محدد وتتبع طبيعة الألعاب، مع ضرورة أن يكون الأهل قدوة في الاستخدام المتوازن للهواتف.
وأضافت أن الآثار تمتد للجانب الاجتماعي، حيث يميل البعض للانشغال بالألعاب على حساب الحوار والتفاعل الأسري، ويتم اللجوء إليها كوسيلة للهروب من الضغوط النفسية أو المشكلات العائلية بدلاً من حلها. ومع تكرار هذا السلوك، تضعف مهارات الشخص في التواصل والحوار والتعبير عن المشاعر والتكيف الاجتماعي.
آلية المكافأة والتربية الرقمية
وحول الانجذاب المترابط بالدماغ، أوضحت يحيى أن الألعاب ترتبط بنظام المكافأة وإفراز “الدوبامين” المسؤول عن التحفيز والتعلم وشعور المكافأة، حيث تشجع التحديات المتتابعة على العودة للعب باستمرار. وحذرت من أن إنهاء وقت اللعب بصورة مفاجئة قد يسبب نوبات غضب لدى الأطفال، ينصح بتحديد أوقات واضحة وتنبيههم مسبقاً لاقتراب نهاية الوقت لمساعدتهم على الانتقال التدريجي لأنشطة أخرى.
وأكدت المختصة على أهمية “التربية الرقمية” لتوعية الأطفال بعدم قبول طلبات الصداقة من مجهولين، وعدم مشاركة البيانات أو الصور الشخصية، وضرورة إبلاغ شخص بالغ موثوق عند التعرض لأي تهديد.
كما دعت الأهل لمشاركة أبنائهم أنشطتهم الرقمية للتعرف على محتواها، لافتة إلى أن ضعف المعرفة التقنية لدى الأهل يحد من قدرتهم على المتابعة، مما يجعل رفع وعيهم الرقمي ضرورة أساسية.
وروت يحيى تجربة أمٍّ لا تجيد القراءة والكتابة، شاركت في جلسة توعية حول مخاطر الإنترنت، وبدأت بعدها تطلب من أبنائها إطلاعها على ما يفعلونه ورغبتها في التعلم معهم، ما حول المراقبة إلى مشاركة وحوار وأكد أن الحماية لا تتطلب معرفة تقنية متقدمة بقدر ما تحتاج إلى الاهتمام والتواصل المستمر وتوفير بيئة أسرية آمنة.
وختمت يحيى بالإشارة إلى أن الألعاب توفر الترفيه وتنمي مهارات التفكير والتركيز وحل المشكلات إذا استخدمت بتوازن، مشددة على أن الهدف هو مساعدة الأطفال والكبار على الاستخدام المتوازن من خلال وضع ضوابط واضحة، واختيار المحتوى المناسب، وتعزيز الحوار الأسري، وتشجيع ممارسة الرياضة والهوايات المختلفة.
#صحيفة_الفداء