صرخة أنثى في وادي الذكورة الشوفينية قراءة في قصيدة “الندب الميلوشكي” للشاعرة ميلينا عيسى


خير مدخل إلى تذوّق مضمون هذه القصيدة ورسالتها يكمن في تسليط الأضواء النقدية على عنوانها, الذي يُبرز نصّاً موازياً يُعدُّ القارئ لمرامي هذه القصيدة التي تشكّل موقفاً أنثوياً يرفض الضيم الذكوري الشوفيني.
تتصدر مفردة “خطاب” عنوان هذه الصرخة الشعرية؛ لأن الخطاب لغة تتضمن إلقاء الكلمة بصوت عالٍ ووضوح بغية التأثير في المتلقي, ومن هنا نلحظ أن أنثى هذه القصيدة تنطلق من إحساسها بالندّية, فهي ليست بتابعة, بل إنها النصف الآخر لزوجها, كما يعبّر المحبّون في تغزّلهم ببعضهم البعض. وترتصف لفظة “الندب” في متن هذا العنوان لتؤكد أن هذه الومضة الشعورية ما هي إلّا صرخة سخط واستياء كبيرَين: إنها صرخة امرأة تندب حظها العاثر لأنها تئن تحت نير الذهنية الذكورية المتغطرسة التي ترى الجسد الأنثوي مجرد مصدر متعة محضة.
وتأتي كلمة “الميلوشكي” فيكتمل بنيان عنوان هذه الزفرة الشعرية, وتؤدي وظيفتها الفنية, فهي مشتقة من اسم علم ذي جذور روسية وتشيكية, وميلوشكا اسم فتاة تتسم بالجرأة والحزم والأناقة.
في ضوء دلالات عنوان هذه القصيدة نلحظ أهميته بوصفه نصاً موازياً يفتح باب القصيدة على مصراعيه, فنلج إليها ونقف على أغراضها وجمالياتها.
تستهل شاعرتنا ميلينا عيسى قصيدتها هذه بالإشارة إلى الزواج بوصفه الرابط العاطفي الأمثل الذي يؤلف ما بين الرجل والمرأة, ويجعلهما يسكنان إلى بعضهما البعض ويتخليان عن بيت والديهما.
” لذلك يترك الرجل أباه وأمه
ويلتصق بامرأته
ويكونان جسداً واحداً “.
تدل كلمة ” التصاق” على الالتحام ولم الشمل, وهذا يذكرنا بمقولة أفلاطون الفيلسوف الإغريقي القديم الذي يؤكد أنّ الرجل والمرأة كانا جسداً واحداً ثم انفصلا, ليأتي الزواج فيعيد أواصر التحامهما العاطفي. وغنيّ عن الذكر هنا أنّ الأديان السماوية المقدسة ترى في الزواج خير رباط بين الرجل والمرأة, فهو رباط عاطفي يقوم على الحب والإخلاص المتبادلين.
بَيد أنّ الرجل في هذه القصيدة لا يكترث بميثاق الزواج ولا يفي بعهده, فيرى في زوجته مجرد وسيلة للحصول على متعة جسدية آنية خاوية من حميمية الحب التي تنشأ من الإحساس أنّ الحبيبين روح واحدة.
توظف شاعرتنا المبدعة تقنية المفارقة لتؤكد البون الشاسع بين مفهوم الروح بوصفها ينبوع مشاعر الحب الصرف, وبين مفهوم الجسد بوصفه وعاء لشهوات مادية برمتها.
تترسخ هذه المفارقة في ظلّ استثمار شاعرتنا لمفردات تنأى عن الزواج بوصفه رابط عاطفي بين حبيبين, وتشيع ألفاظ تنطوي على الترصد والإغارة والانتهاك:
كما أن تباغتني بأعضائك الوثنية؛
تبخس القرش المذهّب في تاج العروس
وتوحي لعينيك أن تترصد رائحة البرق
في جسدي.
تدل صورة مباغتة الزوج على همجيته وذكورته التي تأبى أن تهذبها إنسانيته, هذا الزوج الضنين لا يجهد في أن يعبّر لزوجته عن اهتمامه وتعلقه بها, بل يبخس القرش المذهب في تاج عرسها. وترد صورة الترصّد والترقّب فتوحي بانعدام التناغم بينهما.
وتمضي شاعرتنا في سعيها فتفضح بربرية الذكورة, فتُبرز صوراً عنها تتمثل بانغماس الرجل في علاقات عابرة يراهنّ عبارة عن جاريات في سوق النخاسة, يشبعن شهواته مقابل حفنة من المال.
تخاطب شاعرتنا ذلك الرجل بلقب “السيّد” الذي يحمل بين طياته في هذا السياق سخريتها من شعوره بالاستعلاء والجبروت, ونظرته الدونية إلى معشر النساء.
أيها السيّد!
لم تعد العابرات أحجار رقى في سوق
النخاسة,
فيما الطيّبات يتململن مثل محظيّات
في مخادعهن.
ههنا تتراءى مفارقة أخرى؛ فالزوجات الطيّبات يلزمن عش الزوجية, ويطول انتظارهن الزوج فيشعرن كأنهم محظيات لا حول لهن ولا قوة, فقط ينتظرن سيّدهن لتلبية رغباته.
وتمضي شاعرتنا المرهفة الأحاسيس قدماً فتؤكد أنّ الضيم حطم كل أواصر الحب والوصال الزوجيين, فذلك الرجل المتسيِّد لا يرى في زوجته شريكة لحياته أو أحلامه لبناء أسرة وتنشئة أولاد هم نتاج حبهم. الشعور بالاستيلاء يكثف الأنا في ذاته, ولهذا تشعر الزوجة بالإحباط والفشل الذريعَين, فأحلامها تلاشت إذ لم يعد للوصال الزوجي أي قيمة في نفس شريكها.
ولا ضرورة لامرأة أن تسنّ بكعب حذائها
طريق عودة رجلها المحب
أو تنسى عطرها في حقل الشوندر.
كم جميل مشهد نسيان العطر المثير في حقل الشوندر المترامي في أحضان الطبيعة, الأم الرؤوم, الشوندر السكري بوصفه نباتاً حلو المذاق يشكّل استعارة تحمل بين طياتها حلاوة الحب ولهفة الانتظار بعد أن صلف ذاك الرجل حبل تلك الزوجة المسكينة تفقد أي خطوة في نفسه.
لكن هيهات أن تستكين شاعرتنا, شاء من شاء وأبى من أبى, وتختزل موقفها الصريح بعبارة: أمّا أنا, وتشير هذه العبارة الوجيزة بوقعها النفسي إلى أن شاعرتنا تميط اللثام عن دواخلها, فتبدو فتاة ذات ذهنية مستقلة تنبذ الهيمنة الذكورية, وتخلع عنها أمارات الضعف الأنثوي في ظلال تُصوّر أنين المرأة التي ترزح تحت نير تسلط رجل

يرى رجوليته في فحولته وبطشه, لا في مروءته وطيبته وإحساسه, وأنه وزوجته يتوحدان بالحب السامي ويؤسسان عائلة ينعم أبناؤها بالرعاية والدفء. ها هي مشاهد درامية مألوفة ترسم صوراً تمثل معاناة المرأة في عالم الذكورة المتعالية
لن أترنح مثل أمس كظبية خائفة
ولن تغفو الكوابيس تحت وسائدي,
والوقت لم يعد مثل ابنك الضال؛
الواقف في الزاوية على قدم واحدة
يتحرش بالمراهقة.
بالغة الأهمية هذه المشاهد الدرامية؛ لأنها تمثّل القيود النفسية التي تحس بها هذه المرأة النمطية التقليدية في أعماقها؛ فهي مكلومة الفؤاد, ولا تجد إلا الخوف والترقب والانتظار لتعيشه, انتظار الخيبات التي تتوالى من غير هوادة, لكن الشاعرة تنتصر بأنها تعلن رفضها وتؤكد هويتها الأنثوية الجديدة التي تنطوي على الإحساس بالاستقلالية والمطالبة بحقوقها الإنسانية التي ترى الحياة البشرية قائمة على المساواة و الحب والصدق, فرمان التسلط الذكوري قد ولّى بلا رجعة, ومن هنا نعي أنّ شاعرتنا ترسم خارطة الطريق إلى السعادة الحق: الحب الصادق بين الرجل والمرأة,

أ. د. الياس خلف

المزيد...
آخر الأخبار