من حيّ التضامن الدمشقي إلى حماة أبي الفداء… المقابر الجماعية بين الذاكرة والمسؤولية

 

ياقوت الحموي

لم تكن مجزرة التضامن حدثاً عابراً في سياق عنف نظام الأسد، بل جريمةً جديدةً أعادت فتح سجلٍّ طويلٍ من الجرائم التي ارتكبتها هذه السلطة بحق السوريين، وكشفت بوضوحٍ عن آليةٍ متكاملةٍ للقتل والدفن والإخفاء.

لم يكن المشهد مفاجئاً بقدر ما كان كاشفاً، إذ أعاد إلى الواجهة مساراً قديماً ظلّ حاضراً في الذاكرة، لكنه غائب عن المساءلة.

هذا المسار يعيدنا بالنظر إلى الخلف، إلى مجازر أقدم لم تُوثَّق إعلامياً كما تستحق في حينها، لكنها نُفِّذت بالعقلية الإجرامية نفسها، وعلى يد الجهة ذاتها.

وما جرى في التضامن لم يكن استثناءً، بل حلقةً متأخرةً في سلسلةٍ طويلةٍ من القتل المنهجي والإخفاء القسري، الذي رافق السلطة نفسها لعقود.

ذاكرةٌ حاضرة.. وأثرٌ مؤجَّل

في هذا السياق، تبرز مدينة حماة بوصفها جرحاً مفتوحاً في تاريخ سوريا الحديث. ففي عام 1982، شهدت المدينة واحدةً من أفظع المجازر، حين أقدم نظام الأسد الأب على تدمير أحياءٍ كاملةٍ، واعتقال وقتل الآلاف، وإخفاء أعدادٍ كبيرةٍ من المدنيين دون أن يُعرف مصيرهم حتى اليوم. لم تكن المجزرة مجرّد حدثٍ عسكري، بل فعلاً شاملاً استهدف المدينة وذاكرتها وسكانها.

ولا تزال آثار تلك الجريمة حاضرةً في المكان. فبعض المناطق التي تعرّضت للتدمير آنذاك ما زالت على حالها، كأن الخراب نفسه تحوّل إلى نصبٍ تذكاريٍّ وشاهدٍ صامتٍ على ما جرى. وفي المقابل، أُعيد بناء مناطق أخرى، وأُقيمت فوقها منشآتٌ وأبنيةٌ جديدةٌ، دون أن يترافق ذلك في عهد النظام المجرم مع أي نقاشٍ موثَّق حول مصير الضحايا، أو حول آليات التحقّق من احتمال وجود رفاتٍ ما زالت مطمورةً تحت الأرض.

تساؤلٌ إنساني مكمِّل لمسار الذاكرة

ومع أهمية الجهود الإعلامية والشعبية التي رافقت إحياء ذكرى مجزرة حماة عام 1982 هذا العام، بدا من الطبيعي، في سياق استعادة هذه الذكرى المؤلمة، أن يفرض نفسه تساؤلٌ إنسانيّ إضافي يتجاوز الإحياء الرمزي. إلى أي مدى يمكن أن يمتد هذا الجهد ليشمل البحث في مصير رفات الضحايا، وفتح ملف المقابر الجماعية، بوصف ذلك أحد أوجه الوفاء الحقيقي للذاكرة، وجزءاً لا يتجزأ من تكريم الضحايا وإنصاف ذويهم؟

إن هذا الطرح لا يأتي من فراغ، بل يشكّل استكمالا لمسارٍ إنساني طويل ما زال مفتوحاً، وتتطلّع إليه عائلات الضحايا بوصفه خطوةً ضروريةً نحو كشف مصير الرفات، وإنهاء الغياب المادي للضحايا، بعد عقودٍ من الانتظار القاسي.

مسارٌ واحد.. ومجرمٌ واحد

من حماة إلى التضامن، لا بوصف ذلك مقارنةً بين مآس، بل بوصفه استعادةً لمسارٍ واحدٍ من القتل والإخفاء، ارتبط بنظامٍ واحدٍ كان مسؤولا عن مجزرة حماة، وعن مجزرة التضامن، وعن مئات المجازر والانتهاكات التي طالت السوريين على امتداد عقود، دون محاسبةٍ أو مساءلةٍ حقيقيةٍ. وحدة الجريمة هنا لا تكمن فقط في الفعل، بل في الذهنية التي سمحت بتكراره، وفي الإفلات الطويل من العقاب.

الرفات… كرامةٌ لا تفصيل

في هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى البحث عن رفات الضّحايا، أو نقلها إن وُجدت، بوصفه مطلباً سياسيّاً أو تفصيلاً ثانوياً، فالمسألة في جوهرها خطوةٌ إنسانيةٌ بحتةٌ، تعيد للضحايا بعضاً من كرامتهم، وتمنح ذويهم حقّاً أساسياً طال انتظاره، يتمثّل في قبرٍ، أو أثرٍ، أو جوابٍ ينهي سنواتٍ من الغياب والأسئلة المفتوحة.

فالإنسان لا ينبغي أن يُختزل في ذكرى سنوية، مهما كانت مؤثّرةً، بل يحتاج إلى اعترافٍ وأثرٍ ماديٍّ يثبّت وجوده، وإجابةٍ تُنهي انتظاراً طال أكثر مما ينبغي.

من الذكرى إلى توسيع الفعل

لكي لا تبقى الذاكرة حبيسة إطارها الرمزي وحده، تبرز الحاجة إلى نقلها نحو مساراتٍ عمليةٍ قابلةٍ للتنفيذ. ويبدأ ذلك بالعمل على توثيقٍ شاملٍ ومنهجيٍّ للأسماء والشهادات والوقائع والأماكن، ضمن أرشيفٍ مفتوحٍ وقاعدة بيانات تمنح الضحايا صفةً قانونيةً وإنسانيةً واضحة، وتعيد إليهم أسماءهم وسيرهم الفردية بدل اختزالهم في أرقامٍ أو رواياتٍ متفرقة.

فالأرشيف، وإن لم يكن بديلًا عن القضاء، يبقى شرطه الأول وأساس أي مسار عدالة جاد. وإلى جانب التوثيق، تبرز أهمية تثبيت الذاكرة في المجال العام من خلال مكانٍ مخصّصٍ لها، سواء أكان نُصُبا تذكارياً أم متحفاً للذاكرة، لا بوصفه مساحةً للثأر، بل أداةً لمنع النسيان، وتكريس الحقيقة باعتبارها حقاً جماعياً لا ملكاً لروايةٍ واحدةٍ.

غير أن الذاكرة تبقى ناقصةً ما لم تقترن بالبحث الجاد في ملف المقابر الجماعية والرفات، عبر اعتماد منهجٍ علميٍّ، وبإشراف خبراء مختصين، وباحترامٍ كاملٍ لكرامة الموتى.
فالمقبرة، في هذا السياق، لا تُختزل في كونها موقع دفن، بل تتحوّل إلى وثيقةٍ صامتةٍ تحمل دلالاتٍ قانونيةً وإنسانيةً، وتشكل دليلًا وشهادةً، وتضع حداً لتيهٍ طويلٍ عاشه ذوو الضحايا.

كما أن الكشف عن مصير المفقودين يستدعي إنشاء آلياتٍ واضحة المعالم، تشرك العائلات بوصفها طرفاً أساسياً في العملية، لا مجرد متلقٍّ سلبيٍّ لنتائجها، بما يفضي في النهاية إلى إنهاء حالة الموت الإداري التي يعيشها عشرات آلاف السوريين على الورق.

ماذا تعلّمنا تجربة تعويض ضحايا الهولوكوست؟

عند التطرّق إلى تجربة تعويضات ألمانيا لضحايا الهولوكوست، لا يكون المقصود عقد مقارنةٍ أخلاقيةٍ بين المآسي، بل التوقّف عند الآليات التي أُنتجت لمعالجة آثار الجريمة.

فما قامت به ألمانيا لم يقتصر على دفع أموالٍ، بل انطوى على بناء منظومةٍ متكاملةٍ بدأت باعترافٍ قانونيٍّ صريحٍ بالمسؤولية، ومرّت بتوثيقٍ شاملٍ للأسماء والجرائم، وأتبعت بمسارات تعويضٍ فرديةٍ وجماعيةٍ، واستمرت كمؤسسةٍ قائمةٍ لعقود، لا كحملةٍ ظرفيةٍ عابرةٍ.

ومن هذه التجربة يبرز درسٌ واضحٌ لا لبس فيه، لا تعويض بلا توثيق، ولا توثيق بلا رفات، ولا رفات بلا إرادة البحث.

رفعت الأسد.. من الجريمة إلى سؤال الأصول المنهوبة

في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، يبرز سؤالٌ مشروعٌ يتجاوز الذاكرة والرمز إلى الفعل والمسؤولية، ويتعلّق بالأصول والأموال التي ثبت قضائيّاً أنها نُهبت من المال العام السوري، والموجودة اليوم في عددٍ من الدول الأوروبية، وارتبطت بأحد أبرز رموز مجزرة حماة، رفعت الأسد.

فقد كشفت التحقيقات القضائية في أوروبا، ولا سيما في فرنسا، أن رفعت الأسد راكم خلال عقودٍ ثروةً ضخمةً شملت عقاراتٍ فاخرةً وشركاتٍ وأصولًا ماليةً في عدة دول أوروبية، قُدِّرت قيمتها بعشرات الملايين من اليوروهات، وتبيّن للقضاء أنها نتجت عن استغلال المنصب والنفوذ والمال العام، لا عن مصادر مشروعة.

وقد انتهت هذه القضايا إلى أحكامٍ بمصادرة تلك الأصول، أو وضعها قيد المصادرة النهائية، بوصفها أموالًا عامةً منهوبةً.

وانطلاقًا من ذلك، لم يعد السؤال أخلاقياً فحسب، بل أصبح سؤالًا سيادياً وقانونياً، يرتبط بحق الدولة السورية الجديدة في المطالبة بهذه الأموال، والتنسيق مع الدول الأوروبية المعنية لاستعادتها، أو توجيه عائداتها بما يخدم العدالة والإنصاف. وفي هذا الإطار، يبدو التفكير في تخصيص جزءٍ من هذه العائدات لتعويض عائلات ضحايا مجزرة حماة وغيرها من الجرائم خطوةً منسجمةً مع مبادئ استرداد المال العام، وربط الجريمة بنتائجها، وتحويل العدالة من مفهومٍ مجرّدٍ إلى أثرٍ ملموسٍ يعترف بالضحايا، ويعيد بعضًا من الحق إلى أهله، ولو بعد حين.

لا يطالب السوريون بالمستحيل، ولا بعدالةٍ مكتملةٍ فوراً. ما يُطلب أبسط من ذلك، وأعمق في معناه، ألاّ يبقى الإنسان مفقوداً إلى الأبد، وألاّ تتحوّل المجزرة إلى ذكرى بلا أثر، وألا تُدفن الحقيقة، مجازيّاً أو فعليًّا، تحت طبقات النسيان والإسمنت، كأن الأرض لم تشهد شيئًا، وكأن الدم لم يكن هنا يوماً.

من التضامن إلى حماة، الجرح واحد، والمسؤول واحد. وما بعد سقوط نظام الجريمة، لم يعد البحث عن الحقيقة خياراً، بل مسؤوليةً.

المزيد...
آخر الأخبار