حماة_عمار أبو شاهين:
سأبدأ بسؤال بسيط، أو ربما ليس بسيطاً على الإطلاق: كم تساوي حياتك بالليرة السورية؟
لا أقصد قيمتك المعنوية بالطبع، فتلك لا تُقدَّر. أقصد تحديداً: إذا مرضتَ مرضاً يستوجب دخول مشفى خاص في حماة أو ريفها، فكم ستدفع؟ وهل تملك ذلك أصلاً؟
أطرح هذا السؤال لأن معظم الناس لا يفكرون فيه إلا حين يقع المصاب، وحين يقع، يكتشفون أنهم كانوا يعيشون طوال هذه السنوات على مسافة حادثة واحدة، أو مرض واحد، من الإفلاس التام.
في إحدى ليالي الشتاء الأخيرة، أخبرني صديق يسكن في قرية من ريف حماة الشمالي عن جاره الخمسيني الذي بات يتقلب من الألم منذ أيام، وزوجته تراقبه ولا تعلم ماذا تفعل، وأولاده يلتفون حوله في غرفة صغيرة تضيق بقلقهم.. الجميع يعرفون أنه يحتاج مشفى، لكنهم يعرفون أيضاً ماذا يعني ذلك؛ المشفى الخاص يعني بيع شيء “أرض موروثة، ذهب عروس الابن، أو ديناً يظل يلاحق العائلة لسنوات”.
فقرّر الرجل ما يقرره كثيرون هنا: أن يصبر.
قلت لصديقي: وإذا تدهور وضعه؟
ردّ بكل بساطة: “ما في حل.”
أعرف أن هذا الكلام قاسٍ.. لكنني أكتبه لأن التلطيف والمجاملة أقسى بكثير لأنهما يؤخران لحظة المواجهة مع الحقيقة، وحقيقة المنظومة الصحية الخاصة في حماة وريفها، هي أنها باتت بعيدة المنال عن الشريحة الأوسع من الناس الذين تفترض أنها تخدمهم, وهذه الحقيقة تشمل قلب المدينة وكل أريافها من صوران إلى مورك وطيبة الإمام واللطامنة, من السلمية إلى مصياف إلى محردة والسقيلبية إلى سهل الغاب, وإلى الريف الجنوبي.
دعوني أحدثكم بالأرقام، لا بالتجريد
تخيّل أنك تدخل إحدى المشافي الخاصة في حماة لحالة ليست بالكبيرة: كشف عند طبيب اختصاص، صورة طبقي محوري، تحاليل روتينية.. الكشفية وحدها قد تبلغ ثلاثمئة ألف ليرة أو أكثر…تصوير الطبقي محوري يكلف أكثر من مليون ليرة ويصل إلى المليون و500 ألف، وإن احتجت ليلة واحدة داخل المشفى فإن فاتورة الإقامة قد تطير إلى عدة ملايين, وهذا قبل أن تُحسَب العملية أو الدواء أو أجر الطبيب الذي قد يُفاجئك بفاتورته المستقلة.
وإن كنتَ من المحظوظين الذين لا تتجاوز مشكلتهم ولادةً طبيعية، فستجد نفسك أمام فاتورة تبدأ من مليونين وتصل إلى ثلاثة أو أربعة ملايين. أما إن كانت قيصرية فالأمر مختلف تماماً, إذ تبدأ التكاليف من خمسة ملايين ولا تتوقف في أغلب الأحيان عند أقل من ثمانية أو عشرة.
هذا إذا كان الأمر ولادة!
فإذا دخلنا في تفاصيل الأمراض الحقيقية صارت الأرقام تكاد تبدو خيالية: عملية الزائدة الدودية وحدها وصلت إلى سبعة ملايين أو ثمانية…القثطرة القلبية تستنزف قرابة مليوني ليرة سورية، وتركيب شبكة قلبية يكلّف ستة ملايين إلى عشرة. أما عملية القلب المفتوح، تلك التي يحتاجها كثير من كبار السن المنهكين بالسنوات والأتعاب، فتبدأ من خمسة عشر مليوناً وقد ترتفع إلى خمسة وعشرين مليوناً وأكثر قبل تكاليف الأدوية والمتابعة التي تستمر شهوراً.
أما من يحتاج إلى تركيب مفصل صناعي في الركبة أو الورك فليعرف أن سعر المفصل وحده “قبل العملية وقبل المشفى” يتراوح بين خمسة وأربعين وخمسة وسبعين مليون ليرة، وهو مبلغ يساوي في هذه الأيام ثمن شقة متوسطة في أطراف المدينة.
هذا ليس تضخيماً، بل ما تكشفه التقارير الميدانية والشهادات التي سمعتها بنفسي، وما تؤكده مصادر طبية متعددة من داخل القطاع.
أودّ أن أتوقف عند قصتين سمعتهما من أشخاص حقيقيين من حماة وريفها، ولا أرى داعياً لتجميلهما.
القصة الأولى: فاتورة الحياة.. والهدوء المرعب
في إحدى قرى ريف حماة الشمالي، عادت تلك السيدة إلى المشفى ذاته الذي شهد ولادتها القيصرية قبل عامين. آنذاك، دفعت ثلاثة ملايين ليرة، وهو مبلغٌ كان تأمينه شاقاً لكنه ممكن. اليوم، ولتكرار العملية ذاتها، وجدت نفسها أمام رقمٍ صادم: ثمانية ملايين ليرة.
لم تصرخ، ولم تدخل في جدالٍ مع المحاسب. نظرت إلى طفلها الجديد ثم قالت بنبرةٍ باردة، تحمل من القسوة ما يفوق صراخ الألم: “يعني اللي ما معو يدفع تكاليف ولادة، ما لازم يجيب ولاد.”
لم تكن نكتة سوداء، بل كانت إعلاناً صريحاً عن واقعٍ بات فيه الحق في العلاج رفاهيةً لا يملكها الجميع.
القصة الثانية: ميزان “سهل الغاب”.. القلب أم الأرض؟
من قلب “سهل الغاب”، حيث الأرض هي الهوية والإرث، وقف رجلٌ مسنٌّ أمام حقيقةٍ طبية قاسية: قلبه المتعب يحتاج لعملية “قلب مفتوح” عاجلة، وفي أروقة المشفى الخاص، استقرّت الفاتورة التقديرية عند عشرين مليون ليرة كحدٍ أدنى.
هذا الرقم لم يكن مجرد أصفار بالنسبة له، بل كان يعادل تماماً ثمن “قطعة الأرض” الصغيرة التي أفنى عمره في فِلاحتها ليتركها سنداً لأبنائه من بعده. وجد نفسه أمام مقايضةٍ وجودية:
إما أن يبيع ترابه ليرمّم قلبه!
أو أن يحفظ لأبنائه إرثهم، ويترك قلبه لمشيئة الخالق.
وقف صامداً، يزنُ في كفه عمراً من التعب مقابل بضع سنواتٍ إضافية من الحياة، مفضلاً الصبر على بيع “الأصل”.
هذه ليست استثناءات، هذه قاعدة يعيشها الناس بصمت في حماة وريفها كل يوم وربما في سوريا كلها.
لن أتحدث هنا عن المشافي الحكومية لأن موضوعنا ليس المقارنة, موضوعنا هو المشافي الخاصة تحديداً، وما تفرضه من أسعار باتت تخرج عن كل منطق في مجتمع يرزح أغلب أبنائه تحت ضغط معيشي يومي لا يُحتمل.
المشفى الخاص لا يُلزَم بشيء يُذكر حين يضع تسعيرته.. لكل مشفى تعرفته الخاصة التي تختلف عن جارته في الشارع ذاته، بل إن نفس الطبيب قد يطلب مبالغ مختلفة تبعاً للمشفى الذي يعمل فيه أو الترتيب الذي أبرمه مع إدارته، وكثيراً ما يُفاجأ المريض حين الخروج ببنود في الفاتورة لا يعرف مصدرها, أدوية لم يأخذها، أو إجراءات لم يسمع بها، أو “مستلزمات” بلا تفاصيل. والمريض الخارج لتوّه من غرفة العمليات لا يملك في تلك اللحظة إلا أن يدفع.
في نيسان الماضي فُتح جدل واسع حين تحدث أحد المسؤولين عن توجّه لمنح إدارة المشافي الحكومية للقطاع الخاص بصيغة شراكة.. اشتعلت ردود الفعل فوراً، وأصدرت الجهات المعنية بياناً يقول: إن “الصحة ليست للبيع”. لكن السوريين الذين يعرفون ما يعنيه “الخاص” من أرقام يومية لم يطمئنوا كثيراً لهذا البيان، ولا أملك أن ألومهم.
الشراكة مع القطاع الخاص قد تكون مفيدة في ظروف مختلفة، لكن في مجتمع لا يستطيع أغلب أبنائه تحمّل فواتير المشافي الخاصة، فإن توسيع نفوذ المنطق التجاري في القطاع الصحي “بأي صيغة كانت” لا يبدو الخيار الأحكم.. ما يبدو أحكم هو تفعيل التعرفة الصحية الموحدة التي تُلزَم بها المشافي الخاصة وتُطبَّق عليها بغرامات حقيقية لا مجرد تذكيرات، ومراقبة فعلية تحمي المريض من الفواتير الضخمة، ونظام تأمين صحي وطني يُخفف وطأة هذه الأسعار عمن لا يستطيعون حمل ثقلها وحدهم.
في نهاية المطاف، ما أريد قوله: ليست المشافي الخاصة شريرة بطبيعتها فهي تؤدي دوراً لا يمكن إنكاره، وتتحمل تكاليف حقيقية من محروقات وكوادر وتجهيزات.. لكن ما أقوله إن ثمة معادلة مكسورة: حين تصبح فاتورة دخول المشفى الخاص لليلة واحدة أثقل من مدّخرات أسرة بأكملها، وحين ترتبط كل زيادة في سعر المحروقات بزيادة مقابلة في غرفة العمليات، وحين لا يجد المريض مرجعاً يشتكي إليه ولا سقفاً يحميه فهذا ليس مجرد غلاء، بل هو اختلال في الأولويات يستحق أن يُسمَّى باسمه.
المطلوب ليس معجزة.. المطلوب تعرفة صحية مُلزِمة تُطبَّق بغرامات حقيقية لا بتوجيهات ورقية، ومراقبة جادة للفواتير تحمي من لا حول له، وتأمين صحي يُطلق اليوم لا في 2030.
أما الصمت؟ فلم يعد ترفاً يمكن تحمّله!
# صحيفة_ الفداء