“لو عرفوا.. صرت منبوذ”.. حين تقتل الوصمة ما يعجز عنه الإدمان

الفداء_ ناديا المير محمود

 

“إذا الناس عرفوا قصتي رح صير منبوذ كل العمر”، يختصر أحمد بهذه العبارة سبب رفضه الكشف عن هويته، فالخوف من الوصمة الاجتماعية، يدفعه للسرية رغم أن معاناته مع الإدمان بدأت بوصفة طبية!

يروي أحمد قصته للفداء، التي بدأت مع أحد مسكّنات الألم بعد حادث مروري: “كنت أشتريه بناءً على وصفة طبية، ولم أكن أبحث عن نشوة، بل عن تسكين وجع، لأجد نفسي عالقاً في دوامة الاستخدام الدائم قبل أن أدرك علمياً أنه يسبب الإدمان”، وهنا بدأت رحلة علاجه عبر برنامج طبي دقيق يعتمد على سحب الجرعات تدريجياً، لضمان تخطّي أعراض الانسحاب بأمان.

ويضيف: “عندما قررت العلاج، كان أكبر همي إخفاء الأمر، لإدراكي نظرة الناس لمن يعالج الإدمان”. ليدرك اليوم أن التعافي ليس مجرد قرار طبي، بل هو معركة إرادة شخصية، لكن الدعم المحيط هو ما يجعل هذه المعركة قابلة للربح.

والدته تشاطره هذا القلق، وتضيف: “كنا نعيش في سرية تامة خلف الأبواب المغلقة. الحمد لله تعافى، لكننا لا نزال نعيش في خوف من أن يكتشف أحد ما مررنا به”.

وصمة تلاحق المتعافي

لا يقتصر عائق التعافي على الجانب العضوي، بل يمتد ليشمل تحديات اجتماعية ناتجة عن غياب الثقافة المجتمعية حول مفهوم الإدمان كمرض. وتوضح الأخصائية النفسية ريم يحيى، أن الإشكالية تكمن في ضعف الإلمام بطبيعة هذه الحالة، فبدلاً من أن يكون المجتمع شريكاً في رحلة الشفاء، تتحول النظرة النمطية أحياناً إلى ضغط إضافي يضاعف فرص الانتكاس.

وتؤكد يحيى، أن تجاوز هذا الواقع، يتطلب عملاً توعوياً يغير المفهوم السائد عن الإدمان من عيب أخلاقي إلى “حالة صحية” تحتاج إلى معالجة علمية، مشددة في الوقت نفسه على أن إدراك هذه التحديات، لا يعفي الفرد من مسؤولية اتخاذ قرار التعافي، بل يضع على عاتقنا جميعاً مسؤولية بناء بيئة حاضنة للشفاء.

من البيت تبدأ الحماية 

لا يقف الأمر عند الوصمة، بل يتعداه إلى الثغرات التي تفتحها البيئة الأسرية، توضح يحيى أن غياب الوالدين، يجعل الشاب في حالة بحث عن انتماء بديل في شلل الأصدقاء، لتبدأ رحلة السقوط التي تظهر من خلال انعزال المراهق وتغيراته الجسدية والنفسية، مما يستدعي يقظة أسرية تفرّق بين من يحتاج دعماً عاطفياً، ومن انزلق فعلياً في شراك الممنوعات.

الإنترنت بوابة جديدة للخطر

لم يعد الخطر محصوراً في التجمعات المباشرة، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي، يوضح المختص بالمحتوى الرقمي لؤي أسعد للفداء، أن المنصات التي تهدف إلى تعزيز التفاعل، قد تضع المستخدم في دوائر اهتمام مشتركة، مما يمنح المروجين فرصة لاختراق هذه المساحات، والوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للاستدراج.

ويشير أسعد، إلى أن هذه الأدوات التقنية، توفر أرضية رقمية تتطلب يقظة من الأهل، خاصة مع انتشار تقنيات الموقع الجغرافي والدفع الإلكتروني المجهول، مما يحتّم على الأهل مراقبة أنشطة الأبناء الرقمية كإجراء وقائي بدلاً من تحميل الخوارزميات، المسؤولية التامة عن السلوكيات المكتسبة.

أبعد من النصوص.. حين يكون الوعي هو الحل

تزامناً مع اليوم الدولي لمكافحة المخدرات في 26 حزيران، تشارك سوريا هذا العام تحت شعار “سوريا دون مخدرات”.

وعلى الرغم من أن القانون رقم /2/ لعام 1993، يضع الإطار العقابي الصارم للإتجار والترويج، ويفتح في الوقت ذاته باباً لمن يختار طريق العلاج طوعاً، إلا أن المواجهة الحقيقية تتجاوز النصوص والقاعات.

فالقانون قد يضبط الشارع، لكنه لا يكفي وحده لحماية “أحمد” وأمثاله، التحدي الأكبر اليوم يكمن في نظرتنا، إذ تبدأ الحماية حين يتوقف البعض عن تصنيف المتعافي كـ “منبوذ”، ونبدأ بالتعامل مع الإدمان كحالة طبية تستدعي العلاج، لا العزل.

(#سوريا- دون- مخدرات)

 

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار