الفداء _ ازدهار صقور:
في قرى مصياف البعيدة، يأكل سكان هذه القرى مما يزرعون، ويسقونها مما يجمعون من مياه الأمطار، ويسمدون مزروعاتهم من مخلفات ما يربونه من أبقار وماعز، سماداً طبيعياً بعيداً عن المواد الكيماوية، لينتجوا مزروعات نظيفة وصحية وخالية من المواد الكيماوية المؤذية. إنها ما يمكن تسميته الزراعة النظيفة.
ففي ظل تزايد الاهتمام العالمي بالصحة العامة وحماية البيئة، أصبحت الزراعة النظيفة خياراً استراتيجياً لتحقيق الأمن الغذائي وإنتاج محاصيل عالية الجودة وخالية من الملوثات الكيميائية.
ويقوم هذا النهج على الاستفادة من الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها مياه الأمطار والأسمدة العضوية، بما يضمن الحفاظ على خصوبة التربة وصحة الإنسان.
تجربة المزارعين في حصاد المياه والتسميد
وفي لقاء عدد من مزارعي قرية الشيحة بريف مصياف كان للفداء حديث خاص عن كيفية اعتمادهم الزراعة النظيفة من خلال استخدام مياه الأمطار المجمعة عن طريق إنشاء خزانات أو برك مائية وما يسمى لديهم “رامات مياه طبيعية” لحصاد مياه الأمطار، ثم استخدامها في ري المحاصيل خلال فترات الجفاف أو انخفاض الهطول.
وتعد هذه الطريقة من أكثر الوسائل استدامة، إذ تقلل الاعتماد على المياه الجوفية وتوفر مصدراً طبيعياً للري، خاصة في المناطق التي تشهد أمطاراً موسمية.
أما في مجال التسميد، فتستند زراعتهم النظيفة إلى الأسمدة العضوية الطبيعية، مثل السماد البلدي المتحلل، والكمبوست، والأسمدة الخضراء، ومخلفات النباتات والحيوانات بعد معالجتها بطريقة صحيحة.
حيث تعمل هذه الأسمدة على تحسين بنية التربة، وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالماء، وتنشيط الكائنات الحية الدقيقة المفيدة، مما ينعكس على نمو النباتات وجودة الإنتاج.
تقديم منتج سوري منافس بمواصفات عالمية
ويؤكد الخبير التنموي أكرم عفيف على أهمية اتباع هذا الأسلوب نظراً لأهميته من وجهة نظر إدارة المنتج الزراعي بحيث تصبح زراعة نوعية ونظيفة وتحقق المعايير الدولية لنتمكن من تقديم منتج سوري منافس في السوق الداخلية والخارجية.
ويضيف أن الأسمدة الطبيعية دون أثر متبقٍ كالأسمدة العضوية الفيرمي كومبست، تحقق منتجاً سورياً منافساً بمواصفات عالمية، كما تعمل على تخفيض كلفة الأسمدة الكيماوية ذات الكلفة العالية، فالمنتج العضوي الذي ينتجه الفلاح نفسه من خلال تربية الحيوانات ويعيده إلى أرضه لإنتاج محاصيل زراعية صحية.
وأضاف ينبغي اتباع مجموعة من الممارسات الزراعية السليمة، من أبرزها اختيار البذور الجيدة، وتطبيق الدورة الزراعية، والاعتماد على المكافحة الحيوية للآفات بدلاً من المبيدات الكيميائية، إلى جانب الحفاظ على التنوع الحيوي داخل المزرعة.
كما تشير العديد من الدراسات إلى أن المنتجات الزراعية التي تُزرع وفق أساليب عضوية تحتوي على نسب أقل من متبقيات المبيدات والأسمدة الصناعية، الأمر الذي يجعلها أكثر أماناً للمستهلك، كما أنها تسهم في حماية البيئة من تلوث التربة والمياه، والحد من انبعاثات الغازات المرتبطة بالإنتاج الزراعي التقليدي
إن التوسع في الزراعة النظيفة لا يمثل مجرد خيار بيئي، بل هو استثمار في صحة الإنسان وفي مستقبل الأجيال القادمة، ويتطلب ذلك دعماً من الحكومات والمؤسسات الزراعية عبر نشر الوعي، وتدريب المزارعين، وتشجيع إنشاء مشاريع لحصاد مياه الأمطار، وتوفير الحوافز لإنتاج واستخدام الأسمدة العضوية.
إن التحول نحو الزراعة النظيفة هو خطوة عملية نحو تحقيق تنمية زراعية مستدامة، تجمع بين زيادة الإنتاج، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتوفير غذاء صحي وآمن للمجتمع، بما يعزز جودة الحياة ويحمي البيئة للأجيال المقبلة.
#صحيفة_الفداء