بقلم رئيس التحرير: طلال قنطار
يختصر المثل الشعبي السوري «الملافظ سعد»، حكمةً اجتماعية متوارثة، تختزل أثر الكلمة في بناء العلاقات الإنسانية أو إضعافها، وتذكّر بأن طريقة التعبير لا تقل أهمية عن الفكرة التي نريد إيصالها. فالكلمة ليست مجرد ألفاظ عابرة، بل موقف يترك أثره في النفوس، وقد تكون جسراً للتفاهم أو سبباً في اتساع الخلاف.
وتكتسب هذه الحكمة أهمية مضاعفة في سوريا اليوم، حيث تبرز الحاجة إلى ترميم الثقة، وتعزيز التماسك المجتمعي، بعد سنوات تركت آثارها العميقة في العلاقات بين الناس. فبناء مجتمع متماسك لا يتحقق بالقرارات وحدها، بل يبدأ أيضاً من لغة التخاطب، واحترام الاختلاف، والابتعاد عن خطاب الإقصاء والتعميم والإساءة، بما يحفظ كرامة الإنسان، ويعزز الشعور بالمواطنة المشتركة.
ولا تعني مسؤولية الكلمة تقييد حرية التعبير، أو تجميل الواقع، بل تعني ممارسة النقد بوعي ومناقشة الأفكار بعيداً عن التجريح، والتعبير عن المواقف بوضوح يحفظ حق الاختلاف ولا يحوّله إلى خصومة. فالمجتمع الذي يتسع للحوار، يكون أقدر على معالجة مشكلاته، فيما تؤدي اللغة المحمّلة بالكراهية إلى تعميق الانقسامات وإضعاف فرص التفاهم.
وتتضاعف هذه المسؤولية في الإعلام والمنصات الرقمية، حيث يمكن لمنشور واحد أن يصل إلى آلاف الناس خلال دقائق، حاملاً معلومة صحيحة، أو شائعة مضللة، ورسالة تجمع، أو خطاباً يؤجج التوتر. وهنا تبرز مسؤولية الإعلاميين والمواطنين على السواء في التحقق من المعلومات، وانتقاء العبارات، وإدراك أثر ما يُنشر وما يُتداول
إن «الملافظ سعد»، ليست مجرد عبارة من التراث الشعبي، بل حكمة تختصر مسؤولية الكلمة وأثرها في تشكيل العلاقات والمواقف. فما نقوله اليوم لا ينتهي بانتهاء الحديث، بل يترك أثره في الوعي العام، ويسهم في بناء الثقة أو إضعافها، وفي تعزيز التماسك أو تعميق الانقسام.
وفي سوريا التي تتطلع إلى التعافي وترسيخ المواطنة، تصبح الكلمة المسؤولة جزءاً من مسؤوليتنا المشتركة في حماية السلم الأهلي واحترام الاختلاف. فالمجتمع الذي نريده غداً يبدأ باللغة التي نتخاطب بها اليوم، وبقدرتنا على تحويل كلماتنا إلى جسور للتفاهم، لا حواجز تفصل بين أبنائه.
#صحيفة_الفداء