المصاهرة.. هل حمت أفرادها من خطاب الكراهية؟

الفداء 

لم يكن زفاف عفراء وأكرم قبل ثلاثة وعشرين عاماً مجرد إعلان زواج، بل كان كسرا لجدران اجتماعية غير مرئية.

ففي مدينة مصياف، اجتمعت عائلتان من مصياف والسويداء في مناسبة أسرية تجاوزت حدود التهاني، لتصنع نموذجاً أسرياً تغلب فيه التفاهم على مخاوف التردد المتوقعة عند المصاهرة بين خلفيات اجتماعية متنوعة.

تعود البداية إلى قاعات كلية الهندسة بجامعة دمشق، حين جمعت سنوات الدراسة بينهما، وتحولت زمالة القاعات تدريجياً إلى قناعة جادة بالارتباط، ليواجه الشابان في البداية قلقاً حذراً من الأهل والبيئة المحيطة، وتخوفاً طبيعياً من اختلاف التقاليد والمسافة الجغرافية. إلا أن هذه الصورة النمطية والمخاوف المسبقة تبددت سريعاً فور التلاقي المباشر والتواصل العائلي، لتتوج القصة بوفاق ورضا تأمين من الطرفين.

توضح عفراء الشيخ محمود، في حديثها، لصحيفة الفداء، أن الاختلاف المناطقي أو الاجتماعي لم يجد له مكاناً داخل بيتهما الصغير، ولا كان يوماً محركاً لحياتهما اليومية، حيث نشأت ابنتهما في بيئة أسرية تعتمد العقل والتفهم أساساً للتعامل مع الآخرين دون أي أفكار مسبقة.

وتؤكد عفراء، أن العشرة الطويلة والزيارات العائلية المتصلة بين مصياف والسويداء، أثبتت أن الواقع الميداني أعمق بكثير من مخاوف البدايات، وأن الروابط الإنسانية التي بنيت بين العائلتين أصبحت أصلب من أن تنال منها تغيرات الأيام.

وعن المحتوى التحريضي المثار على وسائل التواصل الاجتماعي، تبين الشيخ محمود، أن التعليقات والمقاطع المشحونة قد تسبب انزعاجاً عابراً، لكنها لا تملك أي قدرة على اختراق البيوت المتماسكة، فالوعي الأسري الذي تراكم عبر العقود يدرك تماماً الفارق بين كلام افتراضي يكتب خلف الشاشات، وبين واقع الناس المباشر في الشارع والحياة اليومية.

بيوت مشتركة تفكك الصور النمطية

وفي مسار آخر يربط بين الساحل والداخل، تجسد السيدة (م. و)، التي فضلت عدم ذكر اسمها الصريح، وزوجها الحمصي، حقيقة أن الانتماء الشامل للبلد هو المحرك الأساسي للاستقرار الأسري، بعيداً عن التقسيمات الفئوية أو البيئية الضيقة.

وفي حديثها مع، صحيفة الفداء، توضح السيدة، أن مخاوف المحيط الاجتماعي والأصدقاء قبل الزواج تبددت تدريجياً أمام واقع العشرة اليومية والتفاهم المباشر الذي ساد بين العائلتين، ما جعل تجاربهم محفزاً إيجابياً تشجع آخرين على الاقتداء بها.

وترى أن الأبناء الذين ينشأون في بيوت مشتركة يتعلمون من الواقع العملي أن محبة الناس واحترام تنوعهم هما المعيار الحقيقي للمواطنة وسعة العيش، مؤكدة أن محبة الجميع هي الدلالة الحقيقية على الإيمان والسكينة الأسرية. وتضيف أن الخطابات المستفزة على المنصات الرقمية تزيد الزوجين إصراراً على حماية بيتهما وتربية أبنائهما على وعي متين يرفض الانجرار خلف الانفعالات السطحية.

من ريف حماة إلى الجزيرة السورية

ومن جهة أخرى، تأخذنا قصة، هناء أحمد وزوجها جمال درويش، إلى نموذج حي لزواج عابر للمكونات والقوميات، حيث جمعت بيئة العمل المشترك بين ابنة ريف حماة وابن مدينة القامشلي، لتتحول زمالة المهنة والمسؤوليات اليومية إلى قناعة جادة بالارتباط واستقرار الأسرة.

يوضح الزوجان، لصحيفة الفداء، أن التباين اللغوي والبيئي الأول بين ريف حماة والجزيرة السورية ذاب سريعاً أمام المودة والتفاهم المباشر، ليشكل بيتهما مساحة أمان قائمة على احترام العادات والخصوصيات الثقافية وتكاملها.

وتؤكد هناء، أن أشكال الشحن التي تظهر أحياناً على بعض الحسابات الافتراضية تصطدم دائماً بالتواصل الإنساني المباشر والواقع العملي للشارع، مشيرة إلى أن العلاقة التي بنيت على احترام التنوع جعلت بيتهما وأبناءهما محصنين ضد أي تأجيج أو استقطاب افتراضي.

وعن أثر هذا التنوع في تنشئة الأجيال الجديدة، يقول “كرم.ا” درويش (١٨ عاماً)، وهو ابن لأسرة أُسست على مصاهرة بين مكونين مختلفين، “نشأت في بيت لم أعرف فيه يوماً معنى المفاهيم الضيقة أو التمييز المناطقي. بالنسبة لي، التنوع الثقافي واللغوي داخل عائلتي كان مصدر غنى وفهم أعمق للناس. عندما أرى أحياناً تعليقات مشحونة على وسائل التواصل، لا تشكل لي أي استفزاز، لأنني تعلمت من واقع بيتي اليومي أن الاحترام والعيش المشترك هما المعيار الوحيد للتعامل، وأن الناس في الحقيقة أقرب لبعضهم بكثير مما تظهره الشاشات”.

البعد القانوني والحقوقي للرابطة الأسرية

استكمالاً للمشهد الميداني والاجتماعي، وإضاءة على الأطر التشريعية الناظمة لهذه الروابط، توضح المحامية، هيفاء حسن دوري، في تصريح خاص لـ “صحيفة الفداء”، أن المشرّع السوري يعتمد في مواجهة أي محاولات لاستغلال الخلافات الزوجية على مقاربة مزدوجة تجمع بين فصل الخلاف عن الفضاء العام وتجريم نقله إلى خانة الفتنة.

إذ يقضي القانون بحل الخلافات في إطارها المختص أمام المحكمة الشرعية، معاقباً بالحبس والغرامة كل من يعقد زواجاً خارج المحكمة سداً لذريعة الابتزاز.

كما يمثل النص العقابي الصارم درعاً حقيقياً ضد تحويل الخلافات إلى شحن مناطقي أو مذهبي، عبر تجريم كل خطاب أو كتابة تُقصد منها إثارة النعرات، بالتكامل مع إلزام الإعلان الدستوري لعام 2025 للدولة والمواطن بحفظ السلم الأهلي ومنع أشكال الانقسام والتحريض.

وتشير المحامية دوري، إلى أن سرعة البت في قضايا الأحوال الشخصية والنفقة والحضانة تعد وسيلة أساسية للحسم القانوني ومنع إطالة أمد التقاضي الذي قد يدفع الأطراف نحو تصعيد الخلاف، إلى جانب أهمية اختيار محكّمين أكفاء ومتخصصين في المنازعات الأسرية لضمان سرعة الإصلاح أو التوزيع العادل للمسؤولية، معتبرة في رأي شخصي أن تكون المحاكمات في القضايا الشرعية سرية لمنع تناقل الخصوصيات وتشويه الحقائق.

وفي تأصيلها لمفاهيم المواطنة وتكافؤ الحقوق، تبين دوري، أن عقد الزواج في القانون السوري مبنيّ على فكرة الرابطة الإنسانية المجرّدة بين رجل وامرأة، خاضع لأركان وشروط محصورة بعيدة كل البعد عن الانتماءات الجغرافية أو الفئوية.

وتوضح أن شرط الكفاءة يُقاس وفق عرف البلد دون معيار المحافظة، في حين تظل الأحكام الشرعية والثوابت – كبطلان زواج المسلمة بغير المسلم – قواعد عامة ومجرّدة تسري على الجميع.

وتؤكد دوري، أن تحريم زواج المسلمة بغير المسلم، ليس حكماً اجتهادياً، بل هو نص شرعي قطعي، وقد تبنّى المشرّع السوري هذا التحريم بنص آمر في المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية التي عدّت هذا الزواج باطلاً، فلا تجوز مخالفته أو التحايل عليه، ولا يصح توظيف دعاوى التمييز للنيل منها.

فالقانون يفرق بوضوح بين حماية الأسرة واستقرارها وبين استغلال الخلافات الخاصة لتحويلها إلى فتنة عامة.

وعن المظلة التشريعية الناظمة لاستقرار الأسرة، تؤكد المحامية وجود ثلاثة ضمانات متكاملة: دستورية تتمثل بحماية الأسرة وصيانة كرامة المرأة ورعاية الأطفال وفق الإعلان الدستوري لعام 2025، ومدنية تنظم الحقوق المالية والنفقة والسكن وتسجيل عقود الزواج دون رسوم، وجزائية تحمي الأسرة من الاستثمار الخارجي للخلافات الزوجية.

وتختتم بالتأكيد على أن القانون السوري لا يعرف أي إجراءات استثنائية أو قيود تمييزية بين أبناء المحافظات المختلفة؛ فالزواج بينهم يجري كأي معاملة أحوال شخصية اعتيادية تستوجب الأوراق الثبوتية والتقارير الطبية المعتادة، ليظل الزواج والأسرة في المنظومة التشريعية السورية ثوابت قائمة على العدالة والمواطنة الصادقة بعيداً عن أي استغلال فئوي.

تؤكد هذه التجارب أنه حتى لو بدت لبعض القراء مثالية أو استثنائية، إلا أنها تمثل واقعاً حقيقياً ومُعاشاً في كثير من البيوت. فالواقع المباشر بين تلك العوائل يظل أقوى من أي محتوى تحريضي خلف الشاشات، ويبقى الوعي الأسري المدعوم بالقانون مساحة أمان تجعل هذه العلاقات عصية على الاستقطاب والانسياق خلف الانفعالات العابرة.

#صحيفة_الفداء

المزيد...
آخر الأخبار